تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودعوة محمد بن عبد الوهاب - على هذا الوضع - لم تكن جديدة، بل سبقتها قبل ذلك بنحو خمسة قرون حركة كبرى مشابهة، هي حركة تقي الدين ابن تيمية في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم حركة تلميذه ابن قيم الجوزية في القرن الرابع عشر، وابن تيمية وتلميذه حنبليا المذهب، وقد أثارت حركتهما ضجة كبرى في مصر والشام، وقامت المناقشات العنيفة بين الفقهاء ورجال الدين من أتباع ابن تيمية ومعارضيه، وكاد الأمر ينتهي إلى فتنة لولا أن الحكومة كانت تتدخل بين الحين والآخر، فتحد من نشاط ابن تيمية قليلا، أو تودعه السجن وقتا ما في مصر أو في الشام.

فالمنبع الذي صدرت عنه الحركتان؛ حركة ابن تيمية وحركة ابن عبد الوهاب واحد، هو مذهب ابن حنبل، ولكن ابن عبد الوهاب تأثر كذلك بحركة ابن تيمية، وقرأ كتبه ورسائله وفتاواه، وتفهمها وأخذ عنها وترسم خطاه وأخذ بآرائه، كما تأثر كذلك بكتب تلميذه ابن قيم الجوزية وآرائه، ومما يثبت هذا كله أن بعض رسائل ابن تيمية الموجودة في المتحف البريطاني مكتوبة بخط محمد بن عبد الوهاب، فهي مما كان ينسخه لنفسه، وهو في رسائله التي كتبها لشرح دعوته أو لمناقشة معارضيه يعتمد كثيرا على آراء ابن تيمية وابن قيم الجوزية ويستشهد بأقوالهما.

ومع هذا فنحن نلاحظ أن حركة ابن تيمية - رغم الضجة التي أحدثتها - لم تبلغ من النجاح ما بلغته حركة ابن عبد الوهاب؛ وذلك لأسباب كثيرة:

منها أن بيئة الحضر التي ظهر فيها ابن تيمية بدعوته لم تكن البيئة الصالحة لنجاح الدعوة وانتشارها، فسكان الحضر تشغلهم شئون الحياة ومباهجها وعوامل الترف والرفاهية، والدعوة تنادي بالزهد والتقشف والبساطة، ولو أنها ظهرت بين البدو في بيئة صحراوية للاقت نجاحا أكثر.

ومنها أن ابن تيمية - وهو يدعو للعودة إلى الإسلام في حالته الأولى - اضطر إلى مهاجمة كل الفرق الدينية التي وجدت منذ ظهر الإسلام إلى عهده؛ كالخوارج والمرجئة، والرافضة والقدرية، والمعتزلة والجهمية، والكرامية والأشعرية، والنصيرية وغيرها، واضطر كذلك إلى الطعن في رجال الدين والمتصوفة وفقهاء المذاهب المختلفة، ومعظم هؤلاء كانوا يلون الوظائف الكبرى في الدولة كوظائف قضاء القضاة والحسبة ومشيخة الشيوخ والتدريس، وكانوا تبعا لهذا ينالون الأموال الجمة التي تأتيهم من الجوامك والرواتب والأوقاف والنذور ... إلخ، ونجاح دعوة ابن تيمية يسلبهم كل ما كان لهم من سلطان ومال؛ ولهذا كانوا هم - لا الشعب - الذين حملوا عليه وحاربوا دعوته، إلى أن أضعفوا من شأنها، أما بلاد العرب فلم يكن بها هذا العدد الوفير من العلماء والفقهاء والمتصوفة وأتباع المذاهب المختلفة، ولم يكن للقلة الموجودة منهم في بلاد العرب من المصالح قدر ما كان لعلماء مصر والشام على عهد ابن تيمية. حقيقة قد عارض ابن عبد الوهاب بعض معاصريه من علماء نجد والأحساء، ولكن معارضتهم لم تكن من القوة بحيث تؤثر في حركة ابن عبد الوهاب أو تضعف من شأنها.

ومنها أن حركة ابن تيمية ظهرت والعالم الإسلامي لا يزال في عنفوان قوته، بعد أن انتصر انتصاراته الحاسمة على الصليبيين والتتار في حطين وعين جالوت، وبينما هو يبذل الجهود لمقاومة غزوات التتار المتجددة على الشام، في حين أن دعوة ابن عبد الوهاب ظهرت والعالم الإسلامي قد شاخ ونالت منه عوامل الضعف والانحلال، فربط المسلمون في أذهانهم بين عوامل التأخر الديني وعوامل الضعف السياسي، ورأوا أن الأولى سبب للثانية، واعتقدوا أن القضاء على عوامل التأخر الديني والعودة إلى أصول الإسلام قد يقضي على عوامل الضعف السياسي، ويعيد للعالم الإسلامي ما كان له من عزة وقوة.

ومنها أن حركة ابن تيمية اقتصرت على الجدل الديني والمناقشات الفقهية، ولم تستعن بسند حربي أو بقوة سياسية، أما ابن عبد الوهاب فكان أبعد نظرا وأكثر نجاحا، ورأى أنه لكي يضمن لدعوته النجاح؛ لا بد له أن يضع لها برنامجا سياسيا إلى جانب البرنامج الديني، وأن يستعين بقوة سياسية حربية، وأدرك منذ اللحظة الأولى أنه لا أمل في الدولة العثمانية التي كانت تحكم جميع أجزاء العالم الإسلامي الواقعة في الشرق الأوسط؛ لأنها كانت دولة ضعيفة، وهي في ضعفها ترى في كل حركة إصلاحية خطرا عليها وعلى كيانها؛ فهي لذلك تحارب كل مصلح، وتناهض كل ناصح.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديث · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن الحركات الإصلاحية ومراكز الثقافة في الشرق الإسلامي الحديثص ٢٠