وقد فصل ابن غنام - تلميذ ابن عبد الوهاب ومؤرخه - الحديث عن هذه المنكرات والبدع في كتابه
1 «روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام»، وأحصى القبور والأضرحة والأحجار والأشجار التي كان المسلمون يقبلون عليها ويعظمونها، وقدم لهذا الإحصاء بقوله: إن المسلمين قد عدلوا إلى «عبادة الأولياء والصالحين، وخلعوا ربقة التوحيد والدين، فجدوا في الاستغاثة بهم في النوازل والحوادث، والخطوب المعضلة والكوارث، وأقبلوا عليهم في طلب الحاجات، وتفريج الشدائد والكربات، من الأحياء منهم والأموات، وكثيرا ما يعتقد النفع والإضرار في الجمادات، كالأحجار والأشجار ... أحدثوا من الكفر والفجور، والإشراك بعبادة أهل القبور، وصرف الدعاء لهم من النذور،
ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون .»
ثم يضرب ابن غنام الأمثال لما كان يحدث في مدن الإسلام المختلفة، ويبدأ بنجد فيقول: إن أهلها كانوا يعكفون على «قبر زيد بن الخطاب، فيدعونه لتفريج الكرب بفصيح الخطاب، ويسألونه كشف النوب من غير ارتياب.» وفي بليدة الفدا «ذكر النخل المعروف بالفحال، يأتونه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الأفعال، وتأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج، فتضمه بيديها بحضور ورجاء الانفراج، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجا قبل الحول ...» «وشجرة الطرفية تشبث بها الشيطان واعتلق، فكان ينتابها للتبرك طوائف وفرق، ويعلقون فيها - إذا ولدت المرأة ذكرا - الخرق، لعلهم عن الموت يسلمون.» «وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن الله تعالى فلقه في الجبل لامرأة تسمى بنت الأمير، أراد بعض الحكام أن يظلمها، فصاحت ودعت، فانفلق لها الغار بإذن العلي الكبير ... فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويهدون، أتعبدون ما تنحتون، والله خلقكم وما تعبدون؟!»
ثم يشير المؤلف بعد ذلك إلى ما كان يفعله المسلمون عند قبور ميمونة بنت الحارث والسيدة خديجة وعبد الله بن عباس، وإلى ما يفعل عند قبر النبي عليه السلام «من الأمور المحرمة العظام؛ من تعفير الخدود، والانحناء بالخضوع والسجود، واتخاذ ذلك القبر عيدا ... إلخ .»
وأما ما يفعل في جدة مما عمت به البلوى، فقد بلغ من الضلال والفحش الغاية القصوى؛ فعندهم - كما يقول ابن غنام - قبر طوله ستون ذراعا، عليه قبة، يزعمون أنه قبر أمنا حواء، يجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما لا يكاد يخطر على البال، «فلا يدخل يسلم على أمه كل إنسان، إلا مسلما دراهم عاجلا من غير توان، أيبخل أحد من اللئام - فضلا عن الكرام - ببذل بعض الحطام، ويدع الدخول على أمه والسلام؟!»
وعند أهل جدة أيضا معبد يسمى العلوي، غالوا في تعظيمه كل المغالاة «فلو دخل قبره قاتل نفس أو غاصب أو سارق، لم يعترض بمكروه من مؤمن ولا فاسق.» ولم يجسر أحد أن يخرجه من هناك، فمن استجار به أجير، ولم يعرج عليه حاكم ولا وزير.»
ثم ينتقل ابن غنام من بلاد العرب إلى أقطار العالم الإسلامي الأخرى، فيشير إلى ما يوجد بها من قبور أو جماد أو نبات يعكف المسلمون على تعظيمها والتقرب إليها والاستغاثة بها؛ فمن البلاد التي ذكرها: مصر، واليمن، وحضرموت، والشحر، وعدن، ومخا، والحديدة، وحلب، ودمشق، والموصل، والعراق، وبلاد الأكراد، ومشهد، والقطيف، والبحرين ... إلخ.
كانت هذه الأفعال وأشباهها هي التي أثارت محمد بن عبد الوهاب ودفعته دفعا إلى القيام بدعوته الإصلاحية، وكانت هذه الدعوة تتلخص في الرجوع إلى القرآن والسنة، إلى الإسلام في حالته الأولى إلى التوحيد؛ ولذلك كان أتباعه يسمون بالموحدين، وإنما سماهم أعداء الحركة بالوهابية؛ إضعافا لشأنهم.
ولتحقيق هذا كله كانت الدعوة تنادي بمحاربة البدع المضللة وزيارة القبور وتقديم النذور والاستشفاع بالأولياء والإيمان بالخرافات وتقديس بعض الجمادات والنبات، كما كانت تحارب المتصوفة وما أحدثوا من طقوس يرى الموحدون أنها تمثل مظاهر الشرك والوثنية، كحلقات الذكر وما يصاحبها - في بعض الطرق - من رقص وطرب، وتقديس الأولياء من الأحياء والأموات، والإيمان بما لهم من قدرة على الإتيان بالخوارق والمعجزات، والاستغاثة بهم لجلب نفع أو دفع ضر، وهكذا.