وقالت طائفة أخرى: الذرية هاهنا الصغار، والمعنى: والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء، والذرية تتبع الآباء وإن كانوا صغارا في الإيمان وأحكامه من الميراث والدية والصلاة عليهم والدفن في قبور المسلمين وغير ذلك إلا فيما كان من أحكام البالغين، ويكون قوله: ﴿بإيمان﴾ على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين، أي وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء، قالوا: ويدل على صحة هذا القول البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب، فإنهم مستقلون بأنفسهم ليسوا تابعين الآباء في شيء من أحكام الدنيا ولا أحكام الثواب والعقاب لاستقلالهم بأنفسهم، ولو كان المراد بالذرية البالغين لكان أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم، وتكون أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم، وهلم جرا إلى يوم القيامة، فيكون الآخرون في درجة السابقين، قالوا: ويدل عليه أيضا أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان، ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا بل إيمان استقلال، قالوا: ويدل عليه إن الله سبحانه وتعالى جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال في حق المستقلين، وأما الإتباع فإن الله سبحانه وتعالى يرفعهم إلى درجة أهليهم وإن لم يكن لهم أعمالهم كما تقدم، وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم وإن لم يكن لهم عمل، بخلاف المكلفين البالغين فإنهم يرفعون إلى حيث بلغتهم أعمالهم.
وقالت فرقة - منهم الواحدي - الوجه أن تحمل الذرية على الصغار والكبار، لأن الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه والصغير يتبع الأب بإيمان الأب، قالوا: والذرية تقع على الصغير والكبير والواحد والكثير والابن والأب كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون﴾ أي آباءهم، والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي، فمن وقوعه على التبعي قوله: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ فلو اعتق صغيرا جاز، قالوا: وأقوال السلف تدل على هذا، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عيونهم، ثم قرأ هذه الآية). وقال ابن مسعود في هذه الآية: (الرجل يكون له القدم ويكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك). وقال أبو مجلز: (يجمعهم الله له كما كان يحب أن يجتمعوا في الدنيا). وقال الشعبي: (ادخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة). وقال الكلبي عن ابن عباس: (إن كان الآباء أرفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء، وإن كان الأبناء أرفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء). وقال إبراهيم: (أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا). وقال: ويدل على صحة هذا القول إن القراءتين كالآيتين، فمن قرأ ﴿واتبعتهم ذريتهم﴾ فهذا من حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم كما قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ