تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأشارت رضي الله عنها إلى أن محبة العبد لله على قسمين قسم ناشئ عن شهود الإحسان وقسم ناشئ عن شهود الجمال فأما الأول الذي هو ناشئ عن شهود الإحسان فلا شك أن العبد إذا نظر إلى إحسان الله تعالى وانعامه عليه بضروب النعم الحسية والمعنوية أحبه لا محالة لأن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها وهذا هو المسمى بحب الهوى أي الميل وهو مكتسب لأن الإنسان مغمور باحسانات الله إليه وهو متمكن من النظر فيها فلا يزال يطالع نعمة بعد نعمة ومنة بعد منة وكل نعمة أعظم من التي قبلها فتعظم محبته لمولاه وبذلك يبلغ قصده ومناه وأما الثاني وهو الناشئ عن شهود الجمال فإن العبد إذا كشف الحجاب عن قلبه وزالت عنه لموانع والقواطع رأي جمال الحق وكماله وأشرقت أنوار الحضرة وسناها على قلبه والجمال محبوب بالطبع فانعقدت المحبة بينه وبين مولاه وإنما خصصت رابعة رضي الله عنها الحب الناشئ عن شهود الجمال بالأهلية دون الأول وأن كان أهلاً للجميع لأن هذا منة الله لا كسب للعبد فيه والآخر فيه سبب وعمل العبد معلول وقولها فشغلى بذكرك عمن سواك من باب التعبير بالمسبب عن السبب والأصل فثمرته شغلى بذكرك الخ وقولها أيضاً فكشفك للحجب حتى أراك من باب التعبير بالسبب عن المسبب عكس ما قبله والأصل فسببه ومنشؤه كشف الحجاب حتى رأيتك بعين قلبي وقولها فلا الحمد الخ إخبار منها بأن الحبين معاً منه وإليه في الحقيقة لا كسب لها في ذلك وادراك التفاوت بين ما تؤثره شربه المحبة الناشئة عن شهود الإحسان وما تؤثره شربه المحبة الناشئة عن شهود الجمال ونعوت الكمال وأن أثر الثانية أقوى من أثر الأولى بل لا نسبة بينهما ضروري عن كل ذائق اه قاله الفاسي في شرح الرائية فقول الشيخ رضي الله عنه لم تجعل له من حبك نصيباً يحتمل أن يكون من إضافة المصدر إلى الفاعل والمفعول والأول أبلغ لأن محبة الله لعبده أعظم لأنها أصل محبة العبد لمولاه قال تعالى يحبهم ويحبونه فمن أعطاه الله تعالى من حبه المذكور نصيباً فقد حاز ربح الدارين وفاز بقرة العين ومن حرمه ذلك فقد خسرت صفقته وبان غبنه وخيبته نسئل الله منته ورحمته قال زيد بن أسلم رضي الله عنه أن الله عز وجل ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول له اصنع ما شئت فقد غفرت لك اه من أبن عباد ولما كانت نهاية المحبة الفناء في المحبوب ونهاية الفناء البقاء وهو الرجوع إلى الأثر أشار إلى ذلك الشيخ فقال في المناجاة الموفية عشرين إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت عليك منها مصون السر عن النظر إليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها أنك على كل شيء قدير قلت الرجوع إلى الآثار هر النزول من عش الحضرة التي هي الأغراق في بحر الوحدة والغيبة عن السوي بالكلية إلى سماء الحقوق وأرض الحظوظ فينزلون إلى سماء الحقوق أدباً مع الربوبية وقياماً بحقوق العبودية وإلي أرض الحظوظ أدباً مع الحكمة وإظهاراً لوظائف العبودية ومثال الأول وهو النزول إلى سماء الحقوق ما يلزم العبد من العبادات البدنية أو المالية مؤقتة أو غير موقتة ومثال الثاني وهو النزول إلى أرض الحظوظ ما تفتقر إليه البشرية من مأكل ومشرب وملبس ومنكح وغير ذلك من الأمور الحاجية وقد أمر الله تعالى بهما ليتمز سر الربوبية من سر العبودية أو ليظهر استغناء الربوبية بافتقار العبودية فطلب الشيخ رضي الله عنه أن يرده إليها بعد أن كان رحل عنها بهمته بكسوة الأنوار وهي أنوار الشهود فيكون رجوعه إلي الأثر بالله غائباً عن حظه وهواه وقد كان قبل ا، يرحل عنها يتعاطاها بنفسه بعد متعته وحظه فلما عرف الحق غاب عن نفسه فإذا رجع إلي رسم بشريته رجع إليه بالله قد كساه أنوار الشهود عن الالتفات إلى سواه وطلب أيضاً أن يكون رجوعه إلى الآثار متلبساً بهداية الاستبصار وهي تحقيق المعرفة في الأشياء التي يتعاطاها كانت عبادات أو عادات فلا يسرقه فيها طبع ولا حسن بل يدخل فيها بالله ومن الله وإلى الله ويخرج منها كذلك وهو معنى قوله حتى أرجع إليك منها أي حتى تكون تلك الأشياء هي التي تردني إليك حين نعرفك فيها ونشاهد عظمتك ونور جبروتك فيها إذ الوجود كله مستمد من بحر جبروتك فالعارف يشرب من كل شئ ويتقوت من كل شئ يأخذ النصيب من كل شئ ولا ينقص من نوره شئ فتحصل أن

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢٩٩