لما رأيتك حالساً مستقبلاً ... أيقنت أنك للهموم قرين
مالاً يقدر لا يكون بحيلة ... أبداً وما هو كائن سيكون
سيكون ما هو كائن في وقته ... وأخو الجهالة متعب محزون
يجرى الحريص ولا ينال بحرصه ... شيئاً ويحظى عاجز ومهين
فدع الهموم وتعر من أثوابها ... أن كان عندك بالقضاء يقين
هون عليك وكن بربك واثقاً ... فأخو الحقيقة شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقن أنه مضمون
ومن نظر إلى سعة كرم الله وبره ثم نظر إلى عجز نفسه وفقره طرح أحمال الهموم عن ظهره واكتفى بعلم مولاه ونظره كما أشار إلى ذلك في المناجاة الحادية عشرة بقوله إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك وكلما أيأستني أوصافي أطعمتني مننك قلت العبد إذا نظر أوصاف نفسه اللئيمة وأفعالها الذميمة استحي من الله أن يرفع إليه حاجة يطلبها وخرس لسانه عن النطق بها لأنه يرى من خساسة نفسه ولآمتها مالا تستحق بذلك إلا العقوبة والطرد فإذا نظر إلى سعة كرم الله وجوده وإحسانه وبره انطلق لسانه بالسؤال وطمع فيما له من سعة العطاء والنوال وقد تقدم قوله أن أردت أن ينفتح لك باب الرجاء فانظر ما منه إليك إن أردت أن ينفتح لك باب الحزن فانظر ما منك إليه ولا شك أن من نظر نفسه بعين الأنصاف لم يجدها أهلاً لغير العقوبة أما من جهة الغفلة والتقصير وأمام قلة الوفا بالشكر والحمد ولهذا ورد في بعض الأدعية اللهم افعل بنا ما انت له أهل ولا تفعل بنا ما نحن أهله وقال بعض أهل التشديد من العباد لا ينبغي للعبد أن يرى نفسه إلا شبه نجس أن جلس مع الداعين لم يرهم إلا منعوا الإجابة من سببه ولو سجد على الجمر لم ير عمله أهلاً للقبول ولو كانت نفسه في غاية التزكية لم يرها أهلاً لمدح ولا لثناء ومتى ما تمسح الناس بثيابه تبركا فإنما يرى نفسه كالبكر المزفوفة لبعلها وهي مفتضة بفجور كلما طافوا بها وعظموا شأنها زاد حزنها ومن خوف الفضيحة كلما طافوا بها وعظموا شأنها زاد حزنها من خوف الفضيحة قلت كل من تحقق زواله عن نفسه وبقاءه بربه فلا حرج عليه في ثنائه ومدحه إذ ليس هو الممدوح وإنما الممدوح من فضله عليك ممنوح وكل من مد يده للتقبيل ولم يرها يد الجليل كان القطع في حقها من القليل أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ولا تكون يده يد الجليل حتى تتحقق خلافته في الأرض ولا تتحقق الخلافة حتى يستولى على الوجود بأسره من عرشه إلى فرشه ويصير في قلبه كحلقة في الأرض فإذا صار هكذا كان خليفة الله في أرضه ويده يد الملك فكل من بايعه فإنما بايع الله يد الله فوق أيديهم والله ذو الفضل العظيم وأنشدوا في مثله
قد استقام على المنهاج يسلكه ... ولم يزغ حائداً منه ولا عدلاً
من حاله يعمر الدنيا بظاهره ... وقلبه في أعالي الخلد قد نزلا
وأبصر الأمر يجري في مسالكه ... من أول النشئ حتى شب واكتهلا
وناطقته البرايا وهي صامتة ... وميز الضد والأرواح والعللا
وأظهر الصورة العليا بصورتها ... الحسنى ومن قبل كانت ألبست ظللا