تلقيته مني وعني اخذته ... ونفسي كانت من عطائي ممدتي
وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه إذا استغرق في الكلام وفاضت عليه العلوم يقول هلا رجل يقيد عنا هذه الأسرار هلموا إلى رجل صيره الله بحر العلوم أو كلاماً نحوه وكان بحضر مجلسه أكابر وقته كعز الدين عبد السلام وابن الحاجب أبت عصفور وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذري وكان عز الدين بن عبد السلام إذا سمع كلامه يقول هذا كلام قريب عهد بالله وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول والله ما رأيت أعرف ابلله من أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وكان في كل سنة يطلع إلى القاهرة ويجتمع عليه مشايخ القارهة ومصر من بتلك الناحية فيفيض عليهم بالعلوم والمواهب الربانية والأسرار للدنية فلما مات رضي اله عنه واستخلفه أبو العباس المرسي جعل يطلع إلى القاهرة كما كان يفعل شيخه فاجتمع إليه جماعة من أكابر مصر وعلمائها وقالوا يا شيخ كان الشيخ أبو الحسن إذا جاء إلى هذا الموضع بجيء عندنا ونتبرك بقدومه وما نسمع منه من مواهب الله تعالى وأنت قد أقامك الله مقامه فنحب أن نتبرك بكلامك فقال لهم إذا كان صبحة غد تجيء إليكم إن شار الله فلما كان صبيحة غد أمر أصحابه بالمسير إلى مصر وأمر بحمل رسالة القشيري رضي الله عنه قال ابن الصباغ فحملتها ووصلنا إلى جامع عمرو بن العاصي فوجدناه قد امتلأ بأكابر أهل مصر وعلمائها فقال لي منتقد ومعتقد قال فجلسنا بشرقي الجامع فقال أخرج رسالة القشيري فأخرجتها فقال اقرأ فقلت وما أقرأ قال الذي يظهر لك ففتحنا الكتاب فوجدنا باب الفراسة فقرأت أول الباب فلما الباب فلما فرغت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي أغلق الكتاب ثم قال الفراسة تنقسم إلى أربعة أقسام فراسة المؤمنين وفراسة الموقنين وفراسة الأولياء وفراسة الصديقين فأما فراسة المؤمنين فحالها كذا ومددها من كذا ثم تكلم بكلام عظيم ثم انتقل إلى فراسة الموقنين فتكلم بطبقة أعلى ثم قال وأما فراسة الأولياء فمددها من كذا وحالها من كذا وتكلم في ذلك بكلام موهوب غير مكسوب أذهل عقول الحاضرين واستغرق بذلك إلى أذان الظهر والناس يبكون ورأيت العرق ينحدر من جبينه حتى ينحدر على لحيته وكانت لحيته كبيرة اه وقال في لطائف المنن وكنت أنا لأمره من المنكرين وعليه من المعترضين لا لشئ سمعته منه ولا لشئ صح نقله عنه حتى جرت مقاولة بيني وبين بعض أصحابه وذلك قبل صحبتي إياه وقلت لذلك الرجل ليس إلا أهل العلم الظاهر وهؤلاء القوم يدعون أموراً عظاماً وظاهر الشرع يأباها فقال لي ذلك الرجل بعد أن صحبت الشيخ تدري ما قال لي الشيخ يوماً تخاصمنا قلت لا قال دخلت عليه فأول ما قال لي هؤلاء كالحجر ما أخطأك منه خير مما أصابك فعلمت أن الشيخ كوشف بنا قال ولعمري لقد صحبت الشيخ أثنى عشر عاماً فما سمعت منه شيئاً ينكره ظاهر العلم من الذي كان ينقله عنه من يقصد الأذى وكان سبب اجتماعي به أن قلت في نفسي بعد أن جرت المخاصمة بيني وبين ذلك الرجل دعني أذهب فأرى هذا الرجل فصاحب الحق له أمارة لا يخفي شأنها فأتيت إلى مجلسه فوجدته يتكلم في الأنفاس التي أمر الشارع بها فقال الأول إسلام والثاني إيمان والثالث إحسان وإن شئت قلت الأول عبادة والثاني عبودة وإن شئت قلت الأول شريعة والثاني حقيقة الثالث تحقق أو نحو هذا فما زال يقول وإن شئت قلت وإن شئت قلت إلى أن أبهر عقلي وعلمت أن الرجل إنما يغرف من فيض بحر إلهي ومدد رباني فأذهب الله ما كان عندي إلى آخر كلامه فهذه الحقائق التي يفيضها الحق تعالى على قلوب أوليائه فينطقون بها تكون أولاً مجملة فإذا حفظت وتقديت تبين معناها فمنها ما تدركه العقول ويطابق المنقول ومنها ما لا تفهمها العقول فتكلها إلى أبابها ولا تنتقدها عليهم بمجرد سماعها وانظر قول ابن الفارض رضي الله عنه
فثم وراء النقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة