تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان من بعد قوماً في حال قربهم وقرب قوماً من غير بعدهم وراجع ما تقدم لنا في الشرح عند قوله شعاع البصيرة تفهم المسئلة على أصلها وحق هذه الحكمة أن تتقدم على التي قبلها لأن القرب سابق على الوصول ولما ترتب على ذكر الوصول من ذكر الواردات والأمر قريب والله تعالى أعلم وقال الشيخ زروق رضي الله عنه في شرح هذه الحكمة القرب في الجملة على ثلاثة أوجه أحدها قرب الكرامة وهو تقريب الحق عبده حتى يكون مشاهداً لقربه منه فيتولاه دون ما سواه الثاني قرب الإحاطة إحاطة العلم والقدرة والإرادة وعموم التصرف وهذا الحق من عبده الثالث قرب المناسبة والسافة ولا يصح في جناب الربوبية لاستحالة المسافة عليه ونفى مناسبة العبد للرب فتقدير الكلام قربك منه على وجه الكرامة أن تكون مشاهداً لقربه منك على وجه الإحاطة وإلا فمن أين أنت ووجود قربه على وجه التناسب والمسافة اه وإنما نقلته لعلمي أن الكتاب يطالعه من يحسن العوم ومن لا يحسن العوم ومن لا يحسنه فإذا خاف من البحر وجد جزيرة يأوى إليها وبالله التوفيق ومن حصل على مقام القرب والوصول ترد عليه الحقائق العرفانية والأسرار الربانية والعلوم اللدينة تارة ترد مجملة ثم يقع التفصيل وتارة مفصلة وهو غالب واردات أهل التمكين والغالب أن هذه الواردات إنما ترد بعد الفتح والوصول ولذلك قلنا الأحسن لو قدم الشيخ مقام القرب ثم يذكر مقام الوصول ليتصل بهذه الحكمة التي تكلم فيها على الواردات تحيث قال الحقائق ترد في حال التجلي مجملة وبعد الوعي يكون البيان فإذا قرأناه فابتع قرآنه ثم أن علينا بينه قلت الحقائق هي ما يرد على قلب العارف من تجليات العلوم والحكم والمعارف فتارة تكون علوماً وتارة تكون حكماً ومعارفاً وتارة تكون كشفاً بغيب كان أو سيكون وحكمة ذلك الروح إذا تخلصت وتصفت من غبش الحس كان غالب ما يتجلى فيها حقاً ثم أن هذه الحقائق قد رد في حال التجلي مجملة فيقيدها الإنسان كما تجلب ثم يتفكر فيها فيتبين معناها فبعد الوعي وهو الحفظ يكون البيان ثم استدل بآية الوحي لأن الوحي على أربعة أقسام وحي وإلهام ووحي إعلام ووحي أحكام فشاركت الأولياء لهم وحي الإلهام ويكون أولً مجملاً في القلب فإذا قرأه وأظهره تتبعه وبينه قال تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه كما قرأناه عليك ثم أن عليما بيانه حتى تفهمه وتبينه للناس كان عليه السلام يعالج من التنزيل شدة مخافة أن ينساه فلما نزلت الآية كان يستمع لجبريل فإذا فرغ قرأه كما أنزل فالوحي الذي هو وحي أحكام مصون فلا ينسى بخلاف وحي الإلهام فلذلك ينبغي للولي ا، يقيد تلك الواردات قريباً فإن الحكمة في حال التجلي تكون كالجبل فإذا غفل عنها ترجع كالجمل فإذا غفل عنها بعد رجعت كالثور ثم كالكبش ثم كالبيضة ثم تغيب ولذلك كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه لا تفارقه الدواة والقلم والقرطاس ليقيد المواهب وكذلك كان أشياخنا وكانوا يأمورن بذلك قلت وجل هذا الشرح الذي نقيده إنما هو مواهب لأني أكتب الحكمة ولا أدري ما اكتب فأقف مفتقراً إلى ما عند الله فإذا ورد شيء من عند الله كتبته أولاً ثم أنظر فيك تب القوم إن وجدت نقلاً غريباً موافقاً لما أفاض الله على كتبته وإلا تركته واكتفيت بما أتى الله وكثيراً ما نكتب الكلام ثم نطالعه ونستغرب أني كتبته أو صدر مني وذلك كله ببركة صحبة أشياخنا فجزاهم الله عنا أحسن جزائه ولقد كنت في حال الرياضة والمجاهدة إذا أردت أن نتكلم في التفسير أو غيره نشرع في الكلام ثم نغيب فكنت نحس بالكلام يخرج منى من غير اختيار كأنه السحاب فتصدر مني علوم وحكم فإذا سكت لم يبق منها إلا القليل ولقد حضر معنا ذات يوم رجل صالح كبير السن فسمع ذلك فقال والله لقد حضرت مجالس العلماء والصالحين والله ما رأيت مثل هذه الجواهر واليواقيت التي تخرج من سيدي فلان فبقيت كذلك مدة غير أني لم نكن نقيد شيئاً ثم انتقل ذلك إلى حال التقييد فصار القل عندي أفصح من عبارة اللسان وكان بعض العارفين يقول لأصحابه إذا كنت اتكلم عليكم أكون أستفيد من نفسي ما يجزيه الله على لساني كما تستفيدون أنتم منى وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه

ولا تك ممن طيشته طروسه ... بحيث استخفت عقله واستفزت

فثم وراء النقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة

إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ٢١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ٢١٧