فقال لهم كنت أطمع في فلان منذ سنين فإذا به قد استوى ظاهره وباطنه وسره وعلانيته فلم أجد إليه سبيلا تحلى بالصدق فامتنع مني في مقعده صدق عند مليك مقتدر اه ثم بين ما تقدم من حكم المشيئة فقال إلى المشيئة يستند كل شيء وليست تستند هي إلى شئ قلت المشيئة وإرادة شئ واحد واليهما تستند الأشياء كلها قال تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ولو شاء ربك ما فعلوه إلى غيره ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة لكل شيء وأما هي فلا تستند إلى شيء ولا تتوقف على شيء فلا تتوقف على سؤال ولا على طلب فما شاء الله كان من غير سبب ولا سؤال وما لم يشاء ربنا لم يكن قرب من شاء بلا عمل وبعد من شاء بلا سبب لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فقاعدة التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق قال أبو بكر الواسطي رضي الله عنه أن الله لا يقرب فقيراً لأجل فقره ولا يبعد غنياً لأجل غناه وليس للأعراض عنده خطر حتى بها يوصل وبها يقطع ولو بذلت الدنيا والآخرة ما أوصلك إليه بها ولو أخذتها كلها ما قطعك بها قرب من شاء بغير علة وقطع من شاء من غير علة كما قال تعالى ومن لم يجعل الله نوراً فما له نور فالنظر إلى المشيئة حقيقة والنظر إلى السبب شريعة أو تقول النظر إلى المشيئة قدرة والنظر إلى الأسباب حكمه ولا بد من الجمع بينهما فالحقيقة معينة والشريعة مبينة الشريعة حكمة والحقيقة قدرة والحقيقة حاكمة على الشريعة في الباطن والشريعة حاكمة على الحقيقة في الظاهر وليس حكم القدرة بأولى من وصف الحكمة في محله ولا بالعكس قال الشطيبى واعلم أن الناس أربعة ناظر في السوابق لعلمه بأن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد وناظر في العواقب لعلمه بأن الأعمال بخواتمها وناظر للوقت لا يشتغل السوابق ولا بالعواقب غير أداء ما كلف به من حكم الوقت عالم بأن العارف ابن وقته لا يهتم بماض ولا مستقبل ولا يرى غير الوقت الذي هو فيه وناظر لله وحده لعلمه بأن الماضي والمستقبل والحال متقلبون في قبضته متصرفون في حكمه والأوقات كلها قابلة للتغير وتبديل الحال فلا يراها وإنما يراقب من كل شيء بيده وقد أراد بعضهم الخروج من بين يدي بعض المشايخ فقال له الشيخ أين تريد فقال يا سيدي لئلا أشغلك عن وقتك فقال له ليس عند الله وقت و مقت إنما ترى رب الوقت لا الوقت ومن تمكنت فيه حالة الشهود غاب بالموحد عن الوجود وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود حكي أن رجلاً قال لأبي يزيد أين أبو يزيد فقال له ليس هنا أبو يزيد وقال رجل للشبلي أين الشبلي قال مات لا رحمة الله إنما عني الشبلي لارده لله لا حساسه عن مشاهدته لربه ورأى أبو يزيد رجلاً في المسجد يسئل عنه فقال له وأنا أطلبه منذ سنين فظن أنه مجنون فلما أعلم أنه هو قال له يا سيدي عليك أسئل ولك أطلب فقال له أبو يزيد الذي تطلب قد ذهب في الذاهبين في الله بالله لله فلا رده الله هذا آخر الباب الثامن عشر وحاصلها آداب السؤال والطلب وأنه ينبغي أن يكون عبودية لا سبباً في العطاء إذ قد سبقت قسمتك في الأزل قبل أن يكون منك طلب فعنايته سابقة يختص برحمته من يشاء لكل رحمة تقتضي وجود العمل فوجود العمل أمارة على خصوصية الأزل مع توقف ذلك على المشيئة لأنها يستند إليها كل شيء ولا تستند هي لشيء فلزم السكون والأدب حتى ترك الطلب كما بين ذلك في أول الباب التاسع عشر بقوله وقال رضي الله عنه ربما دلهم الأدب على ترك الطلب قلت الظاهران رب هنا للتكثير لأن الغالب على العارفين وأهل الفناء السكوت تحت مجاري الأقدار فصدور الطلب منهم قليل لأن العارف فإن عن نفسه غائب عن حسه ليس له عن نفسه أخبال ولا مع غير الله قرار فلا يتصور منه سؤال ولا فوات مأمول من شغله ذكرى عن مسئلتي اعطيته أفضل ما أعطى السائلين الأشياء تشتاق إليه وهو غنى عنها اشتاقت الجنة إلى عمار وصهيب وبلال كما في الحديث والحاصل أن العبد ما دام غائباً عن نفسه فإن في شهود ربه منقطعاً عن حسه لا يتصور منه طلب أصلاً إذ الطلب يقتضي وجود الاثنينية والفرض أنه غريق في بحر الوحدة فطلبه حينئذ سوء أدب في حقه فإن رد إلى الشعور بنفسه وهو مقام البقاء قد يتصور منه السؤال على وجه العبودية لا على وجه الاقتضاء والطلب كما تقدم ثم بين مستندهم في ترك الطلب فقال اعتماداً على قسمته واشتغالاً بذكره عن مسئلته قلت أما الاعتماد على القسمة الأزلية
إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٨٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٨٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي