واعلم أن رضي الخلق غاية لا تدرك وانظر قضية لقمان مع ابنه وهي مشهورة يتبين لك أن رضي الخلق محال ومتعذر وأجهل الناس من طلب مالا يدرك وقال وقال بعضهم مالي وللناس كنت في بطن أمي وحدي وخرجت إلى الدنيا وحدي ونموت وحدي وندخل قبري وحدي ونسئل وحدي ونبعث من قبري وحدي ونحاسب وحدي فإن دخلت الجنة دخلت وحدي وأن دخلت النار دخلت وحدي ففي هذه المواطن لا ينفعني أحد فمالي وللناس اه بالمعنى وقيل أن الولي الصادق لا قدر له عند الخلق ولا قدر للخلق عنده فكلما عظم أمره عند الله خفى أمره عند الاس ثم أنه لا تتحقق الغيبة عن نظر الخلق بنظر الحق إلا بمعرفة الحق عند كل شئ وشهوده في كل شئ كما أبان ذلك بقوله من عرف الحق شهده في كل شئ ومن فني به غاب عن كل شئ ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئاً قلت معرفة الحق هي شهود ربوبيته في مظاهر عبوديته أو تقول هي الغيبة عن الغيرية بشهود الأحدية أو تقول هي الترقي من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح فيكون جسمك مع الأشباح وروحك مع الأرواح قال في المباحث
واستشعروا شيئاً سوي الأبدان ... يدعونه بالعالم الروحاني
ثم أقام العالم المعقول ... معارف تلعز بالمنقول
والفناء هو أن تبدوا لك العظمة فتنسيك كل شئ وتغيبك عن كل شئ سوى الواحد الذي كمثله شئ وليس معه شئ أو تقول هو شهود حق بلا خلق كما أن البقاء هو شهود خلق بحق المحبة أخذ الحق قلب من أحب من عباده فلا يكون له عن نفسه أخبار ولا مع غير محبوبه قرار وقيل غير ذلك فمن عرف الحق شهده في كل شئ ولم ير معه شيئاً لنفوذ بصيرته من شهود عالم الأشباح إلى شهود عالم الأرواح ومن شهود عالم الملك إلى شهود فضاء الملكوت ومن فني به وانجذاب إلى حضرته غاب في شهود نروه عن كل شيء ولم يثبت مع الله شيئاً والفرق بين الفاني والعارف أن العارف يثبت الأشياء بالله والفاني لا يثبت شيئاً سولا الله العارف يقرر القدرة والحكمة والفاني لا يرى إلا القدرة العارف يرى الحق في الخلق كقول بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه والفاني لا يرى إلا الحق يقول ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله العارف في مقام البقاء والفاني مجذوب في مقام الفناء الفاني سائر والعارف متمكن واصل ومن أحب الله لم يؤثر عليه شيئاً من حظوظه وهوى نفسه ولو كن فيه حتف أنفه كما قال القائل
قالت وقد سألت عن حال عاشقها ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقلت لو كان رهن الموت من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
والكلام في المحبة طويل ذكر الشيخفي لظائف المنن منه جملة صالحة وكلان الشيخ رضي الله عنه من باب التدلي فالمعرفة أعلى المقامات وقبلها الفناء وقيل للفناء المحبة أي أولها فأول ما يقذف الله في قلب عبده الذي يريد أن يصطفيه لحضرته ويعرفه به محبته فلا يزال يلهج بذكره ويتعب جوارحه في خدمته ويتعطش إلى معرفته فلم يزل يتقرب إليه بالنوافل حتى يحبه الحق فإذا أحبه أفناه عن نفسه وغيبه عن حسه فكان سمعه وبصره ويده وجملته ثم رده إليه وأبقاءه به فعرفه في كل شيء ورآه قائماً بكل شيء ظاهراً في كل شئ والله تعالى أعلم ولهذا الذي ذكره الشيخ علاماى تدل على تحقيق تلك المقامات فمن وجدها في نفسه كانت دعواه لتلك المقامات أو بعضها صحيحة ومن لم يجدها في نفسه كانت دعواه لها كاذبة وفضيحة فليعرف قدره ولا يتعد طوره وبالله التوفيق ولما كانت المعرفة تقتضي ظهور الحق في كل شئ حتى تراه ظاهراً في كل شئ بين وجه احتجابه وخفائه تعالى مع شدة ظهوره ثلاث حكم الحكمة الأولى شدة القرب ولا شك أن شدة القرب توجب الخفاء كسواد العين من الإنسان فإن الإنسان لا يدرك سواد عينه لشدة قربه منه والله تعالى أقرب إليك من كل شئ قال تعالى ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فشدة قربه منك موجب لاضمحلالك قال في لطائف المنن فعظيم القرب هو الذي غيب عنك شهود القرب قال الشيخ أبو الحسن حقيقة القرب أن تغيب في القرب عن القرب لعظيم القرب كمن يشم رائحة المسك فلا يزال يدنو وكلما دنا منها تزايد ريحها فلما دخل البيت الذي فيه المسك انقطعت رائحته عنه وأنشد بعض العارفين
كم ذا تموه بالشعبين والعلم ... والأمر أوضح من نار على علم