هذا آخر الباب الرابع عشر وحاصلها تحويش العباد إلى الله وتحبيبه إليهم بذكر ما اشتمل عليه الحق سبحانه من الكرم والإحسان وغاية اللطف والمبرة والامتنان وذلك أن سبحانه من علينا أولا بالطاعة والعمل وتفضل علينا ثانياً بالقبول مع ما اشتمل لعيه علمنا من النقص والخلل ثم إذا وقعت منا معصية أو زلل عطانا بستره وبمغفرته لنا تفضلاً وإذا توجهنا إليه بقلوبنا سترنا منها وعصمنا ليعظم قدرنا ويظهر شكرنا فنتخذه صاحباً وندع جانباً فحينئذ تشرق في قلوبنا أنوار اليقين ونرحل إلى الآخرة في أقرب حين ثم تشرق علينا أنوار الإحسان، فتنطوى لنا رؤية الأكوان بشهود نور الملك الديان فحينئذ ينشر محاسننا للعباد فيقبلون علينا بالثناء والمحبة والواداد، كما أبان هذا بقوله في أول الباب الخامس عشر وقال رضي الله نه الناس يمدحونك بما يظنون فيك فكن أنت ذاماً لنفسك بما تعلمه منها قلت إذا مدحك الناس بشئ ليس هو موجود فيك فاعلم أن ذلك هواتف من الحق يهتفون بك ويحوشونك إلى الزيادة ويقولون لك الخير أمامك فلا تقنع بذلك ولا تركن إلى ما هنالك بل ارجع إلى نفسك بالولوم ولا يغرنك ثناء القوم فإنهم لا يعلمون منك إلا الصوان الظاهر وأنت تعلم من نفسك اللب الباطن قال بعضهم من فرح بمدح الناس فقد مكن الشيطان أن يدخل بطنه وكان بعضهم يقول اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ولا تؤاخذني بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون وإنما قلنا مدائح الناس هواتف الحق إذ ليس في الوجود إلا الحق ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فأهل الفهم عن الله يستمعون إلى الخطاب فإذا سمعوه مدخهم بشئ نظروا فإذا كان فيهم علموا أنه تنبيه لهم على مقام الشكر وأن لم يجدوه فيهم علموا أنه تنبيه لهم على تحصيل ذلك المقام ولهذا لما سمع أبو حنيفة قوماً يمدحونه بقيام الليل كله وكان لا يقوم إلا نصفه جعل يقوم الليل كله وقد ذم الله قوماً أحبوا أن يمدحوا بما لم يفعلوا فقال ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب وقال المحاسبي رضي الله عنه مثل الذي يفرح بمدح الباطل كمن يقال له العذرة التي تخرج من جوفك لها رائحة المسك وهو يفرح بذلك ويرضى بالسخرية به اه ثم أن ذمك لنفسك إذا توجه الخلق إليك بالمدح إنما هو حياء من ربك حيث ستر عيوبك وأظهر محاسنك وهو الذي نبه عليه بقوله المؤمن إذا مدح استحى من الله أن يثنى عليه بوصف لا يشهد من نفسه قلت قد تقرر أن التحقيق ما ثم إلا سابقة التوفيق ومن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك فإذا أطلق الثناء عليك بشئ لا نسبة لك فيه وإنما أنت محل لظهوره فاستحي منه تعالى أن يثني عليك بشئ تعلمه أنه من فعل غيرك أو لم يظهر عليك شئ منه أصلاً فإن مدحت بشئ زائد على ما ظهر فيك فاطلب منه القوة على الزيد فإن ربك فعال لما يريد ولا يضرك مدحك بما تفعل أن لم تقصد التعريض للمدح ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أتدرون من المؤمن قالوا الله ورسوله أعلم قال الذي لا يموت حتى يملأ مسامعه مما يحب ولو أن رجل عمل بطاعة الله في جوف بيت إلى سبعين بيتاً على كل بيت باب من حديد لألبسه الله رداء عمله حتى يتحدث الناس بذلك ويزيدون قيل يا رسول الله كيف يزيدون قال المؤمن يحب ما زاد في عمله الحديث وفي حديث آخر قيل يا رسول الله الرجل يعمل العملي خفية ثم يتحدث الناس به فيفرح فقال عليه السلام له الأجر مرتين أجر العمل وأجر الفرح فإن مدح بما ليس فيه واغتر بذلك فهو جاهل بربه كما أشار إليه بقوله أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس قلت اليقين الذي عنده هو عمله بمساويه وخفايا عيوبه وما انظوت عليه سرائره من النقائص والتقصير وظن ما عند الناس هو ما يرون على ظاهره من الكملات وأنوار الظاعات التي تصحبها العلل الباطنية والحظوظ النفسانية فيتوجهون إليه بالمدح والثناء فإذا قنع بذلك وفرح بما هنالك فهو أجهل الناس وأحمق الناس إذ قد قنع بعلم الخلق ولم يخف من مقت الحق والمطلوب من الفقير عكس هذا وهو أن ينقبض عند المدح وينبسط عند الذم حتى يستويا عنده هذا أن كان المادح من أهل الدين والخير وأما أن كان جاهلاً أو فاسقاً فلا غباوة أعظم من الرضي بمدحهم والفرح به فقد روى عن بعض الحكماء أنه مدحه بعض العوام فبكى فقال له تلميذه أتبكي وقد مدحك فقال له أنه لم يمدحني حتى
إيقاظ الهمم شرح متن الحكم · الصفحة ١٥٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
إيقاظ الهمم شرح متن الحكمص ١٥٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي