ومهما تكن عند أمرء من خليقة ... وأن خالها تخفي على الناس تعلم
ولذلك تجد أهل الباطن رضي الله عنهم جلهم أقوياء في الظاهر فربما تصدر منهم مقالات تستخرجها القدرة منهم فيظن الجاهل بحالهم أن ذلك دعوى وظهور وليس كذلك وإنما ذلك رشحات من قوة الباطن لا قدرة لهم على أمساكها منها ما يكون تحدثاً بالنعم ومنها ما يكون نصحاً للعباد ليعرفوا حالهم فينتفعون بهم في طريق الأرشاد ومن هذا الأمر رفضهم كثير من أهل الظاهر المتعمقون في العبادة أو المتجمدون على ظاهر الشريعة أو من لم تطل صحبته معهم في الطريقة وأن كان كاملاً ومن ذلك ما وقع للشيخ زروق رضي الله عنه مع أبي المواهب التونسي رضي الله عنه حين ظهرت عليه آثار القوة الباطنية حتى قال فيه الشيخ زروق دعواه أكبر من قدمه وليس كذلك فإن الشيخ أبا المواهب عظيم الشأن راسخ القدم في العرفان أخذ عن أبي عثمان المغربي وكان يقول لبست خرقة التصوف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وله شرح حسن على الحكم إلا أنه لم يكمل وله كلام رائق نظماً ونثرا ومن نظمه رضي الله عنه
من فاته منك وصل حظه الندم ... ومن تكن همه تسمو به الهمم
وناظر في سوى معناك حق له ... يقتص من جفنه بالدمع وهو دم
والسمع أن جال فيه من يحدثه ... سوى حديثك أمسى وقره الصمم
في كل جارحة عين أراك بها ... مني وفي كل عضو بالثناء فم
فإن تكلمت لم أنطق بغيركم ... وكل قلبي مشغوف بحبكم
أخذتم الروح مني في ملاطفة ... فلست أعرف غيراً مذ عرفتكم
نسيت كل طريق كنت أعرفها ... إلا طريقاً تؤديني لربعكم
فما المنازل لولا أن تحل بها ... وما الديار وما الأطلال والخيم
لولاك ما شاقني ربع ولا طلل ... ولا سمعت بي إلى نحو الحمى قدم