فضلاً عمّا توحي به مفردات البيت من معانٍ ترتبط بمهنة الحياكة وقد أسبغها على صناعة الشعر من مثل: " نمنموا، عُقَدَ، وشيها، حُللاً " راح أبو تمام يوقّع المعاني بإيقاعات متمايزة بدأها بالطباق بين " حلّوا" و"عقد "، ثم بردّ العجز على الصدر، أو بالجناس بين " حلّوا " و " حُللاً "، مضافاً إلى ما سلف جمعه بين ضميرين متصلين متماثلين تناقضا بفعل حرف الجر المتصل بهما، فتارةً يقول: " بها " و تارةً أخرى يقول: " لها "، حيث شبه الجملة الأول يوحي بإيقاع الدخول والولوج، و شبه الجملة الثاني يشي بإيقاع الملكية والحيازة، وبذلك يكون الإيقاع مختلفاً شكلاً متشابهاً مضموناً، أو يكاد يتشابه. ولا يجوز أن نغفل ها هنا الدور الذي أدّاه حرف العطف " الواو " بين الحلل والقصيدة، إذ هما ينتميان عند الشاعر إلى حقلٍ دلاليٍّ واحد بفعل اشتراكهما ـ على حدّ تعبير أبي تمام ـ بالأداة والأسلوب، فما يتعلق بالحلل يتعلق بالقصيدة بوصفهما فنّين إبداعيين.
الأمر ذاته ينطبق على الأصوات، فنحن لو أعدنا نطق الفعل " نمنموا " لأحسسنا بإيقاعٍ مبهجٍ يسري في نفوسنا، ويجاري إيقاع المعنى في الفعل، وعليه فإنّ تكرار الصوتين " ن، م " بما يتصفان به من قوة ـ إذ هما صوتان انفجاريان ـ يسهم في تشكيل إيقاع البيت من ناحية، ويؤدي إلى إحداث بهجة ولذّة سمع كما يقول د. عز الدين السيد: " إذا تكرر الحرف في الكلام على أبعاد متقاربة، أكسبَ تكرار صوته ذلك الكلام إيقاعاً مبهجاً، يدركه الوجدان السليم حتى عن طريق العين، فضلاً عن إدراكه السمعي بالأذن " (1).
(1) ـ السيد، د. عز الدين، التكرير بين المثير والتأثير، ص 14.