إنّه يشبّه فعل الغيث بالأرض وقد تزينت بالورود بفعل الحائك وهو يزين نسجه ويوشيه، فيأتي بلفظ النسج مرافقاً لعمل " الحائك " بوصفه الوسيلة الناجعة التي تلبّي حاجة الحائك، وتبين عن مهارته وقدرته، وربّما تظهر تمكّنه من أدواته، مثلما أظهر الغيث عن مقدرة في إكساء الأرض بشتى أنواع الزهور ومختلف أشكال النوّار.
أمّا إيقاع معنى الحياكة في البيت، فيبرز في وقع الغيث على النبت وما يصحبه من أصوات تطرب لها النفس، ويهفو لها القلب، ما ينتج إيقاعاً متواتراً مع ذكر الغيث صراحةً في بداية البيت، ثم مع تكرار وجوده بهيئة الضمير وعلى مسافاتٍ متقاربة، لنجد مثلاً بعد الغيث " نسجه، أنّه، له، هو "ويستمر الإيقاع مع اختلاف محل الضمير من الإعراب نحوياً، إذ هو في محل النصب فالجر فالرفع، وبذلك تكون معظم البنى الدلالية قد اشتركت في منح البيت إيقاعه المتميّز.
وهو القائل، أيضاً (1):
فإذا مرّ لابس الحمدِ قال الـ ز ... ـقومُ: من صاحب الرداءِ القشيبِ ز
يقوم هذا البيت على إيقاعين متداخلين: إيقاع التشابه وإيقاع الاختلاف، فالمفردات " لابس، الرداء، القشيب" تنتمي إلى حقلٍ دلاليّ واحد، وتشيع في البيت إيقاعاً تخييليّاً يستحضر إلى الذهن فعل اللبس، مثلما يستحضر الرداء القشيب فعل الحياكة وما يتطلّبه هذا الأخير من إتقانٍ في العمل ومهارة في التنفيذ، وكذلك هو الأمر في استخدام الشاعر صيغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثي الصحيح " لابس، صاحب "، حيث ينشأ الاختلاف من المشاكلة
(1) ـ المصدر نفسه، م 1 ـ ص 122.