تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جاء في الكتب القديمة في التوراة: ((جاء الله من سيناء. وأشرق من ساعير. واستعلى من جبال قازان)) ... ومراد هذا اللفظ مجيء هدى الله تعالى وكتبه وآياته الكرام وبراهينه. وفي القرآن الكريم قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ (الفجر:22) والمراد المجاز على ما تقرر في موضعه ... فبطل أن لنا لفظا لا يقبل المجاز، والنص بتفسير عدم القبول [للاحتمال] لا حقيقة له.

ورابعها: أن الاستثناء يدخل في صيغ العدد. والاستثناء عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ ... وذلك عين المجاز)) (1).

وسيأتي تقييمنا لهذه الحجج التي ذكرها القرافي لنفي النص في الفرع القادم إن شاء الله تعالى.

الدعوى الثانية: التي نتجت عن التسليم بورود الاحتمالات آنفة الذكر، وهي أقل تطرفا من الدعوى السابقة: هي ((عزة النصوص))، أي أن النصوص، بمعنى الألفاظ القطعيَّة التي لا تحتمل، من الندرة بمكان، ولا تنطبق إلا على ألفاظ محدودة محصورة في الشرع واللغة. قال أبو علي الطبري: ((يعز وجود ((النص)) إلا أن يكون كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِي ... ﴾ (لأنفال:64)، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:1))) (2). وقال إمام الحرمين: ((اعتقد كثيرٌ من الخائضين في الأصول ((عزَّة النصوص))، حتى قالوا: إنَّ النص في الكتاب قوله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:1)، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (الفتح:29)، وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى هو مرتبط حكم شرعي. وقضوْا بندور النصوص في السنة، حتى عَدُّوا أمثلةً معدودة محدودة. منها: قوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة بن نيار الأسلمي في الأضحية، لما ضحى، ولم يكن على النّعت المشروع: ((تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك)) (3). وقوله، عليه السلام: ((اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) (4))) (5).

(1) () القرافي، نفائس الأصول، ج 2، ص 298 - 300.

(2) () نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 206.

(3) () البخاري، الصحيح، ج 5، ص 2109، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية. ومسلم، الصحيح، ج 3، ص 1552، كتاب الأضاحي، باب وقتها.

(4) () البخاري، الصحيح، ج 2، ص 813، كتب الوكالة، باب الوكالة في الحدود. ومسلم، الصحيح، ج 1، ص 419، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

(5) () الجويني، البرهان، ج 1، ص 278.

إشكالية القطع عند الأصوليين · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إشكالية القطع عند الأصوليينص ٢٧