وضربه المثل الكامل للمؤمن الصادق ، وتطبيقه الفريد لحقائق الدين لهو دليل على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - . قد علم أبو بكر صدقه علماً ضرورياً لما أخبر به ، وقرأ عليه ما أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وبقى القرآن الذى قرأه آية أخرى على صدقه - صلى الله عليه وسلم - فاجتمع الصدق والأمانة مع القرآن ومع القرائن الأخرى فوجب علماً بالضرورة أنه صادق . وكما قال ابن تيمية : وخبر الواحد المجهول من أحاد الناس قد تقترن به قرائن يعرف بها صدقه بالضرورة ، فكيف بمن عرف صدقه وأمانته وأخبر بمثل هذا الأمر الذى لا يقوله إلا من أصدق الناس من أكذبهم ، وهو يعلم أنه من الصف الأول دون الثانى . (1)
ومن عظمته - صلى الله عليه وسلم - التى اشتهر بها وتفوق بها على أقرانه ومن هم فى مثل سنه " حكمته - صلى الله عليه وسلم - " . وتجلت يوم وضع الحجر الأسود عندما تنازعت قبائل قريش فيما بينهم ـ عند بناء الكعبة ـ من الذى يضع الحجر مكانه ؟ فقالوا : نحكم أول من يدخل من باب بنى شيبة ، فكان أول من دخل منه محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر وسطه ، وأمر كل فخذ من قبائل قريش بأن يأخذ بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه بيديه الشريفتين فوضعه مكانه. (2)
لقد ربط أرثر جيلمان فى كتابه ـ الشرق ـ بين هذه الحادثة التى منعت اقتتال القبائل التى هى بطون قريش ووحدت إرادتهم فى بناء الكعبة وبين المرحلة اللاحقة لبدء البعثة ، والتى تشكل مقدمة للنبوة وعلامة من علاماتها بقوله " هذه الفكرة التى بسطت السلام بين مختلف القبائل ، وقد اتفق المؤرخون على أن محمد كان ممتازاً بين قومه بأخلاق جميلة : من صدق الحديث والأمانة ، والكرم ، وحسن الشمائل والتواضع ، حتى سماه أهل بلده " الأمين " وكان من شدة ثقتهم به يودعون عنده ودائعهم وأماناتهم ، وكان لا يشرب الأشربة المسكرة ولا يحضر للأوثان عيداً ولا احتفالاً " (3)