ولقد كانت العرب تقرى الضيف ، بل تبالغ فى قراه وتفخر بذلك وتعده محمدة ولم تكن تعد الجود إلا قرى الضيف وإطعام الطعام ولا تعد السخى من لم يكن فيه ذلك . فمن عرف بالضيافة عرف بشرف المنزلة وعلو المكانة وانقاد له قومه فما ساد أحد فى الجاهلية إلا كان من كمال سؤدده إطعام الطعام .
ولقد جاء الإسلام وأشاد بهذا الخلق الكريم ورغب فيه فعن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " (4) وعن أبى شريح خويلد بن عمرو - رضي الله عنه - قال : أبصرت عيناى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمعته أذناى حين تكلم به قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته " قالوا : وما جائزته ؟ قال : " يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، وما كان بعد ذلك فهو صدقة عليه " (5)
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - فى قوله تعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (6) قال : نزلت فى رجل من الأنصار أرسل النبى - صلى الله عليه وسلم - معه ضيفاً من أضيافه ، فأتى به منزله فقالت له امرأته : ما هذا ؟ قال : هذا ضيف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : والذى بعث محمداً بالحق ، ما أمسى عندنا إلا القرص ، فذلك القرص لى أو لك ، أو للضيف ، أو للخادم ، قال : أثردى هذا القرص ، وأدميه بسمن ثم قربيه ، وأمرى الخادم أن يطفئ السراج وجعلت تتلمظ حتى رأى الضيف أنهما يأكلان ، وأصبح ، فصلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " أين صاحب الضيف ؟ " ـ ثلاث مرات ـ والرجل ساكت ، قال : أنا صاحب الضيف . قال : " حدثنى جبريل أن الله تعالى عز وجل ضحك حين قلت لخادمك اطفئ السراج " ونزلت ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) إلى قوله : ( فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (7)