تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت هذه الصفات تختفي خلف هدوء القناعة يقيناً بالعقيدة والطاعة للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حياته. أما وقد توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانتقل أبو بكر إلى الموقع الأول، فقد فاجأ المسلمين والصحابة منهم بشكل خاص بجوانب شخصيته ! فعندما صعب على المسلمين التسليم بوفاته وارتبكوا وذهبوا كل مذهب جاء أبو بكر من منزله بالسنح، ودخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكشف عن وجهه فقال: (بأبي أنت وأمي أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن يصيبك بعد موتة أبداً) ثم رد الثوب على وجهه وخرج إلى الناس وهو يسمع ما يقولون فوقف خطيباً يؤكد حقيقة وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - .

وعندما أرجف الناس واشرأبّ النفاق ، واتسع نطاق الردة واضطرب الصحابة واقترحوا عليه الإبقاء على جيش أسامة بن زيد كشف عن عميق وعيه وبعد رؤيته بالإصرار على إنفاذ جيش أسامة وتأكيد استمرار سياسة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولاً. وهي مسألة مهمة جداً لضمان وحدة الفكر والاجتهاد .

غير أنه أدرك أيضاً الاحتمالات العملية التي يمكن أن تترتب على الإبقاء على الجيش أولها الإيحاء بانكفاء المسلمين في المدينة وترك الجزيرة مسرحاً للمرتدين يصولون ويجولون فيها.

كما أنه أدرك أن الإبقاء على جيش أسامة تعلق بأسباب القوة التقليدية بينما المفروض في روح الثورة أن تخلق قوتها باستمرار من خلال تثوير العوامل في الظرفين المكاني والزماني والتعبير عن الذات.

فهو إذن ينشد في المشورة ثورية الرؤية وليس الواقعية المجردة، لأن ثورية الرؤية تعكس الثقة بالمبادئ والروح الثورية، بينما الواقعية المجردة تعكس التوسل بالدنيا تقليدياً.

كما أن خروج الجيش يعطي الانطباع الأول عن تقدير الخلافة لحركات الردة وأنها حركات هامشية لا تخيف المبادئ ولا الدولة فتهز قناعات المرتدين بدل أن تهز الردة قناعات الصحابة والمسلمين.

إمامة الصديق · الصفحة ١٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

إمامة الصديقص ١٠٠