تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علي يعزل الولاة

كان أول عمل قام به أمير المؤمنين على بن أبي طالب أن عزل الولاة الذين كان عثمان قد اختارهم عمالا على الإيالات الإسلامية؛ إذ كان يعلم أنهم موضع الشكوى، وأنهم كانوا علة قتل عثمان، لظلمهم للرعية وتماديهم في الطغيان.

ولو أنه أرجأ عزلهم وبادر أولا بالاقتصاص من قتلة عثمان لما أخذت عليه عائشة وغيرها هذا الأمر، وألبت عليه خصومه من بني أمية، فقد كانت عائشة تكره عليا؛ لأنه قال للرسول

صلى الله عليه وسلم

حين كثرت قالة السوء: «لن يضيق الله عليك، والنساء غيرها كثير.»

على أن عليا كان مجبرا على الإسراع في عزله ولاة عثمان؛ لإزالة علة الفتنة، كما أن الإبقاء على أولئك الولاة فيه مخالفة للدين الذي أوجب العدل بين الناس.

أما عدم إسراع علي في الاقتصاص من قتلة عثمان فقد أفصح علي نفسه عن سببه، وهو أن أولئك القتلة كانوا من مصر، وهم في المدينة أكثر من أهل المدينة عددا وحولا وقوة، فليس يستطيع علي معهم أمرا، فكان في رأيه التمهل في الأمر دون تركه.

بداية الفتنة

أجل، ذكرت نقمة عائشة على علي، وكيف أنها خرجت مع فريق من بني أمية تطلب تأييد أهل البصرة لينضموا لها في الأخذ بثأر عثمان، فلما وصل القوم إلى أوطاس أشرف عليهم سعيد بن العاص، ومعه المغيرة بن شعبة، وقال لعائشة: أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت: أريد البصرة. - وما تصنعين بالبصرة؟ - أطالب بدم عثمان. - هؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان (يريد طلحة والزبير)، وهما يريدان الأمر لنفسيهما.

وقال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا فبينوا ما نقمتم عليه. أنشدكم الله، فتنتين في عام واحد؟!

وذكرت كيف أنهم لم يرتضوا نصح المغيرة ولا نصح سعيد، ومضى البعض إلى اليمن والبعض الآخر إلى الطائف والبصرة.

ذكرت أن السنين التي عينها الحديث الشريف للخلافة كانت على وشك الانتهاء، فلا بد أن يأخذ علي هو الآخر نصيبه من الحكم ليأتي بعده ولده الحسن، ثم يكون الأمر بعد ذلك للمسلمين ملكية.

وذكرت تلك الليالي السود التي مرت بالمدينة والتي أخذت الإشاعات في غضونها تملأ الجو، فالمصريون يتهمون مروان بن الحكم سكرتير عثمان الخاص بأنه يدبر مؤامرة لتغيير صورة الإمارة بمصر، ويؤكدون أنه استخدم خاتم عثمان دون علمه، واستبدل تعيين محمد بن أبي بكر بالأمر بقتله.

وأهل الشام يذمون عليا بأنه تقاعس عن نصرة عثمان في أخريات أيامه، وأنه غاب عن المدينة عمدا ليتم تدبير التآمر.

والصحابة أمثال: عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأبي ذر الغفاري، ومن على شاكلتهم ممن كانوا لا يهتمون بأمور الدنيا ينأون جانبا ولا يشتركون في الأمر.

ذكرت تلك الليالي السود التي مرت بالمدينة، ورأيت أن أثبتها هنا؛ ليعرف القارئ سر عدم الإجماع على مبايعة علي الخليفة الرابع. •••

ذكرت ما يتحدث به المؤرخون عن علي، وما يقولون في تغلب خلقه القوي وطبعه الحاد وميزاته الجريئة وشجاعته وبطولته على صفاته السياسية.

والحق أن عليا كان كذلك، فلو أنه كان قد استخدم الدهاء السياسي لاستطاع استمالة عائشة، وبخاصة أن شقيقها محمد بن أبي بكر كان من أنصاره، ولاستطاع أيضا بغير جهد أن يؤمن معاوية في منصبه في ولاية الشام، ولكنه بدلا من أن يعمد إلى مثل هذه الوسائل اتجه اتجاها أملته عليه أخلاقه القوية، وطبيعته الصلبة التي لا تعرف في الحق لومة لائم.

بويع علي من القسم الأكبر من المسلمين، فماذا عساه قد فعل؟ لقد اعتبر أولئك الذين لم يبايعوه خارجين على الإجماع، وأراد تطبيق الحكم الشرعي عليهم، فجرد تجريدتين، الأولى: لإطفاء فتنة عائشة. والثانية: لإرغام معاوية على البيعة.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤه · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بُناة الإسلام: محمد وخلفاؤهص ٥٢