وأتمثله وقد قابله عمر مصادفة في الطريق، وإذا به يستوقفه ويسأله عن وجهته، فيقول: هذه بضاعتي أقصد بها إلى السوق.
فتمتلك الدهشة عمر، ويقول: لم تعد تاجر الأقمشة يا أبا بكر، إنك الآن خليفة رسول الله، تنفذ شريعته، وتقضي في المسلمين بما أمر الله، وترعى شئونهم، وتخدم مصالحهم. - ومن أين أعيش؟ - إنك لتخدم المسلمين، وفي عنقهم لك أجر تتقاضاه شهريا (وكان مبلغا يقرب من سبعة جنيهات) من بيت مالهم، كما كان يفعل الرسول.
ويترك أبو بكر التجارة، ويتربع على دست الخلافة، فالله أكبر.
إن أبا بكر ليس بالرجل الأسيف، إنه لشديد البأس، لا تأخذه هوادة في تنفيذ تعاليم محمد وسنته وكتاب الله المبين.
أعمال أبي بكر
لقد لاحظ أبو بكر طموح المسلمين إلى الفتح، فسير الجيوش منهم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وكان أول ما فعله تنفيذ أمر الرسول بإرسال جيش أسامة لمعاقبة قبيلة قضاعة إحدى قبائل الشام من المشركين.
كانت تجريدة تأديب كبرى جردها الرسول قبيل وفاته، وجعل على إمارتها أسامة بن زيد، وكان مولى من الموالي، وشابا أو على الأصح فتى في الثامنة عشرة من عمره، فما كان كبار المسلمين يظنون إلا أنه فتى مراهق لا يحسن فن القيادة، بل كانوا يتوهمون أنه ليس في سن تهيئه للبطش والضرب والنزال، ولكن من ذا عساه كان ذلك الذي يستطيع مراجعة محمد، والمسلمون يعتقدون، بل إنهم ليؤمنون بأن كل أعمال محمد هي بأمر الله، وأن كل شأن من الشئون يجري بإرادة الله، وأنه لا ينطق عن الهوى.
وحاول أولئك المتذمرون أن يعقدوا لواء التجريدة على أمير غير أسامة، ولكن أبا بكر لم يكن الرجل الأسيف، ولكنه كان الرجل الأمين على تعاليم محمد، الشديد العزم والحزم في معالجة الأمور، حتى لقد أمسك بلحية عمر حين رأى منه ميلا إلى مشايعة المعترضين في رأيهم، وقال: «حتى أنت يا عمر؟!» وفي رواية أخرى: «ثكلتك أمك يا ابن الخطاب.»
والتفت أبو بكر إلى أولئك المعارضين، ليشعرهم بأنه لا يجوز أن يستعمل الرسول أسامة في قيادة الجيش ثم يأتي أبو بكر بعد وفاته فينزعه من مكانه، أو يغير أو يبدل من شريعة الرسول وسنته، فقال: «والله لو منعتموني عقال بعير كنتم تؤدونه للرسول لحاربتكم.»
وأثلج صدر عمر ما شاهده في أبي بكر من شدة عزم، وقوة حزم، وتمت الإمارة فعلا لأسامة. •••
لقد فعل أبو بكر رضي الله عنه أكثر من هذا، وأعظم من هذا، وأجل من هذا، لقد علم الجيش من كبار رجاله الانصياع إلى الطاعة، وحب النظام، والجري في الحرب على سنن الإنسانية والرجولة والنخوة، والتحلي بجميع صفات الجندية الحقة.
أما الطاعة وحب النظام فقد مثلهما أبو بكر في خروجه مع الجيش إلى ظاهر المدينة وهو سائر على قدميه خلف أسامة الذي كان ممتطيا صهوة جواده، خليفة رسول رب العالمين يمشي وأسامة يركب! فإذا قال له أسامة: «يا خليفة رسول الله، لتركبن أو لأنزلن»، أجابه في تواضع رفيع، بل هو الرفعة كل الرفعة: «والله لا نزلت، ولا ركبت، وما علي أن أغبر قدمي ساعة في سبيل الله.»
وإنها لعمري المثل الأعلى لمظاهر الطاعة.
وقبيل توديع أبي بكر للجيش استأذن أسامة في أن يسمح بتخلف عمر في المدينة ليعاونه كوزير على تفقد شئون المسلمين، فقبل أسامة راضيا مرتاحا.
وإن في ذلك لمثلا أعلى لحب النظام.
وخطب أبو بكر الجيش يعلمه ويوصيه بالرجولة ومراعاة الإنسانية في الحرب والقتال، فقال :
لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل.
وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفقوهم خفقا، ثم ودعهم قائلا: اندفعوا باسم الله.