وهنا رأيت أحد كبار الأنصار ينهض منافحا مدافعا يرد على أبي بكر قائلا: «يا معشر الأنصار، املكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولا يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والثروة، وأولو العدد والمنعة والتجربة، وذوو البأس والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقص عليكم، أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.»
وهنا رأيت عمر رضي الله عنه يندفع إلى القول بصوت جهير، قال: «هيهات، لا يجتمع سيفان في قراب واحد، والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيهم من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل ومتجانف لإثم، أو متورط في هلكة.»
وهنا رأيت بعين المخيلة كبيرا من كبار الأنصار يدعى الحباب، وقد هب من مجلسه معترضا يقول: «يا معشر الأنصار، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فإن أبوا عليكم ما سمعتموه فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فبأسيافكم دان بهذا الدين من دان، أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة.»
قال عمر: إذن يقتلك الله.
وهنا انبرى أبو عبيدة بن الجراح قائلا: «يا معشر الأنصار، لا تكونوا أول من بدل وغير، فأنتم أول من آزر وناصر.»
ثم هب بشير بن سعد أبو النعمان الأنصاري، وهو زعيم قبيلة الخزرج، وقال: «يا معشر الأنصار، إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضاء ربنا وطاعة نبينا في الكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل على الناس بذلك، ولا أن نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي المنة علينا بذلك، واعلموا أن محمدا من قريش، وقومه أحق به وأولى، وايم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم.»
قال أبو بكر: هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا.
فقال عمر وأبو عبيدة في صوت واحد: إنك ثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، والصلاة أفضل دين المسلمين، فمن ذا يبغي أن يتقدمك؟ ابسط يدك نبايعك. فسبقهما بشير بن سعد الخزرجي.
وهنا قال كبار قبيلة الأوس: والله لئن لم نسرع إلى المبايعة لتسبقنا الخزرج بالفضل.
ثم رأيت بعين المخيلة الناس مقبلين على مبايعة أبي بكر.
وتمثلت أبا بكر وقد وقف موقفيه الخالدين اللذين بفضلهما - بعد فضل الله ونعمته على المسلمين - عادت كلمة الإسلام إلى الوحدة، وعادت قبائل العرب إلى الالتئام والوئام، بعد ما كان يهددهم من عداوة وخصام.
ورأيت أبا بكر رضي الله عنه وقد بايعته العرب يقف بينهم خطيبا مبينا لهم برنامج سياسته التي يتبعها لإصلاح شئونهم ونشر دين الله وإعزاز الإسلام، وتوطيد أركانه بعون الله.
خطبة أبي بكر
قال أبو بكر: «أيها الناس، قد وليت عليكم ولست بخير منكم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن صدفت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له حقه، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق إن شاء الله.»
ثم قال: «لا يدع أحد منكم الجهاد، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.»
الباب السابع
| خلافة أبي بكر
هذا هو الرجل المديد القامة، النحيف الجسم، الذي رأيته بعيني مخيلتي لا يفارق ظل صاحبه محمد منذ بداية مهاجرتهما من مكة حتى دخولهما «المدينة»، هذا هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه أتمثله الآن وهو خارج من داره صبيحة اليوم التالي لمبايعته بالخلافة، وقد حمل على عاتقه حزمة من أقمشة يريد عرضها في الأسواق.