المبحث الثاني: عمل أهل المدينة عند مالك، وهل ينزل منزلة الإجماع؟
المطلب الأول: هل ينزل عمل أهل المدينة منزلة الإجماع المقطوع به؟
نُسِب إلى الإمام مالك أنه يرى أن إجماع أهل المدينة ينزل منزلة الإجماع المقطوع به، الذي لا تجوز مخالفته.
قال البزدوي: "نُقل عن مالك - رحمه الله - أنه قال: أهل المدينة إذا أجمعوا على شيء لم يعتدَّ بخلاف غيرهم" (1).
وقال الجصاص: " (زعم قومٌ) من المتأخرين: أن إجماع أهل المدينة لا يسوغ لأهل سائر الأعصار محالفتهم فيما أجمعوا عليه (2).
وجاء في المسودة: "حُكي عن مالك أنه قال: إذا أجمع أهل المدينة على شيء صار إجماعًا مقطوعًا عليه، وإن خالفهم فيه غيرهم" (3).
وقد استدل لهذه الدعوى بعدد من الأدلة، منها:
أولاً: بالآثار التي جاءت في المدينة؛ كقوله عليه السلام: ((إن المدينةَ طيبة تنفي خبثها، كما ينفي الكِير خبَث الحديد))، والخطأ من الخبث، فكان منفيًّا عنها.
وقال عليه السلام: ((إن الإسلامَ ليأرِزُ إلى المدينة، كما تأرِزُ الحيةُ إلى جُحرها))
وقال عليه السلام: ((لا يكايد أحدٌ أهلَ المدينة إلا انماع كما ينماع المِلح في الماء)).
مناقشة الدليل الأول:
والاستدلال بهذا ضعيف لأهل الحمل على الخطأ متعذر؛ لأنا نشاهد صدور الخطأ من بعض سكانها، وكونها من أشرف البقاع لا يوجب عصمةَ ساكنيها (4).
قال إمام الحرمين: ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابَتَيْها من المخازي لقضى العجب (5).
(1) (كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي لعلاء الدين البخاري ت: عبدالله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية ط 1 (3/ 357 الشاملة).
(2) (الفصول في الأصول الإمام أحمد بن علي الرازي الجصاص ت: د. عجيل جاسم النشمي. وزارة الأوقاف دولة الكويت ط 1 (3/ 321 الشاملة).
(3) (المسودة في أصول الفقه لآل تيمية، المدني - القاهرة، ت: محمد محيي الدين عبدالحميد.
(4) (الإبهاج في شرح المنهاج لعلي بن عبدالكافي السبكي دار الكتب العلمية - بيروت ط 1 (2/ 365 الشاملة).
(5) (نهاية السول شرح منهاج الوصول للإمام جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان ط 1 (2/ 91 الشاملة).