وأحمد الله حمدا ملؤه التوحيد والتمجيد والشكر.
| حد النحو كما رسمه النحاة
يقول النحاة في تحديد علم النحو: إنه علم يعرف به أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء.
1
فيقصرون بحثه على الحرف الأخير من الكلمة، بل على خاصة من خواصه، وهي الإعراب والبناء، ثم هم لا يعنون كثيرا بالبناء ولا يطيلون البحث في أحكامه، وإنما يجعلون همهم منه بيان أسبابه وعلله.
فغاية النحو بيان الإعراب وتفصيل أحكامه، حتى سماه بعضهم علم الإعراب؛
2
وفي هذا التحديد تضييق شديد لدائرة البحث النحوي، وتقصير لمداه، وحصر له في جزء يسير مما ينبغي أن يتناوله، فإن النحو - كما ترى، وكما يجب أن يكون - هو قانون تأليف الكلام، وبيان لكل ما يجب أن تكون عليه الكلمة في الجملة، والجملة مع الجمل، حتى تتسق العبارة ويمكن أن تؤدي معناها.
وذلك أن لكل كلمة وهي منفردة معنى خاصا تتكفل اللغة ببيانه، وللكلمات مركبة معنى؛ هو صورة لما في أنفسنا، ولما نقصد أن نعبر عنه ونؤديه إلى الناس. وتأليف الكلمات في كل لغة يجري على نظام خاص بها، لا تكون العبارات مفهمة ولا مصورة لما يراد حتى تجري عليه، ولا تزيغ عنه.
والقوانين التي تمثل هذا النظام وتحدده تستقر في نفوس المتكلمين وملكاتهم، وعنها يصدر الكلام، فإذا كشفت ووضعت ودونت فهي علم النحو.
ولو عرضت عليك جملة من لغة لا تعرفها، وبينت لك مفرداتها كلمة كلمة، ما كان ذلك كافيا في فهمك معنى الجملة، وإحاطتك بمدلولها، حتى تعرف نظام هذه اللغة في تأليف كلماتها، وبناء جملها، وذلك هو نحوها.
وكثير من اللغات لا إعراب فيها، ولا تبديل لآخر كلماتها، ولها مع ذلك نحو وقواعد مفصلة تبين نظام العبارة، وقوانين تأليف الكلم.
فالنحاة حين قصروا النحو على أواخر الكلمات وعلى تعرف أحكامها قد ضيقوا من حدوده الواسعة، وسلكوا به طريقا منحرفة إلى غاية قاصرة، وضيعوا كثيرا من أحكام نظم الكلام وأسرار تأليف العبارة.
فطرق الإثبات، والنفي، والتأكيد، والتوقيت، والتقديم، والتأخير، وغيرها من صور الكلام قد مروا بها من غير درس، إلا ما كان منها ماسا بالإعراب، أو متصلا بأحكامه، وفاتهم لذلك كثير من فقه العربية ، وتقدير أساليبها.
نعم؛ ربما تعرضوا لشيء من هذه الأحكام حين يضطرون إليها لبيان الإعراب وتكميل أحكامه؛ فقد تكلموا في وجوب الصدارة لأسماء الاستفهام وبعض أدوات النفي، حين أرادوا شرح التعليق وبيان مواضعه، ولزمهم أن يحصوا من الأدوات ما يحجب ما قبله عن العمل فيما بعده، وبينوا بعض الأدوات التي يجب أن يليها فعل، والتي لا يليها إلا اسم، حين أرادوا تفصيل أحكام الاشتغال، ولكن هذه المباحث جاءت متفرقة على الأبواب، تابعة لغيرها، فلم يستوف درسها ولا أحيط بأحكامها.
فالنفي مثلا كثير الدوران في الكلام، مختلف الأساليب في العربية، متعدد الأدوات - ينفى بالحرف، وبالفعل، وبالاسم - وكان جديرا أن يدرس منفردا لتعرف خصائصه، وتميز أنواعه وأساليبه، ولكنه درس مفرقا على أبواب الإعراب ممزقا كما ترى: (أ) «ليس» درست في باب كان لأنها تعمل عملها، على أن «كان» للإثبات و«ليس» للنفي، وعلى أن «كان» للمضي و«ليس» للحال، ولكن العمل وحده - وهو الحكم اللفظي - كان سبب التبويب والتصنيف. (ب) «ما، وإن» درستا في باب ألحق بكان؛ لأنهما يماثلانها في العمل أحيانا. (ج) «لا» درست ملحقة بكان، ثم تابعة لإن؛ إذ كانت تماثل الأولى في العمل مرة، وتماثل الثانية فيه مرة أخرى. وهذا الحرف أكثر استعماله أن يكون مهملا، ويتصرف إذن في النفي تصرفا واسعا، ولكن النحاة لا يعنون به إلا أن يكون عاملا، وأن يكون ذا أثر في الإعراب. (د) «غير، وإلا، وليس» تدرس في باب الاستثناء. (ه) «لن» في نصب الفعل. (و) «لم» و«لما» في جزمه.