قد كان في هذا، الشهادة الصريحة بفشل هذا النحو أن يكون السبيل إلى تعلم العربية، والمفتاح لبابها.
ولقد بذل في تهوين النحو جهود مجيدة، واصطنعت أصول التعليم اصطناعا بارعا، ليكون قريبا واضحا؛ على أنه لم يتجه أحد إلى القواعد نفسها، وإلى طريقة وضعها، فيسأل: ألا يمكن أن تكون تلك الصعوبة من ناحية وضع النحو وتدوين قواعده، وأن يكون الدواء في تبديل منهج البحث النحوي للغة العربية؟
هذا السؤال هو الذي بدا لي، وهو الذي شغلني جوابه طويلا.
ولقد تميز عندي نوعان من القواعد: نوع لا تجد في تعليمه عسرا، ولا في التزامه عناء، ولا ترى خلاف النحاة فيه كبيرا، وذلك كالعدد ورعاية أحكامه في مثل: قال رجلان والرجلان قالا، وقال رجال والرجال قالوا. فمع دقة الحكم في رعاية العدد، واختلافه تبعا لموضع الاسم والفعل من الجملة لا تجد العناء في تصوره، ولا المزلة في استعماله.
ونوع آخر لا يسهل درسه، ولا يؤمن الزلل فيه، وقد يكثر عنده خلاف النحاة، ويشتد جدلهم؛ كرفع الاسم أو نصبه في مواضع من الكلام.
ثم رأيت علامات العدد تصور جزءا من المعنى يحسه المتكلم حين يتكلم، ويدركه السامع حين يسمع. أما علامات الإعراب، فقل أن ترى لاختلافها أثرا في تصوير المعنى، وقل أن يشعرنا النحاة بفرق بين أن تنصب أو ترفع، ولو أنه تبع هذا التبديل في الإعراب تبديل في المعنى، لكان ذلك هو الحكم بين النحاة فيما اختلفوا فيه، ولكان هو الهادي للمتكلم أن يتبع في كلامه وجها من الإعراب.
فلو أن حركات الإعراب كانت دوال على شيء في الكلام، وكان لها أثر في تصوير المعنى، يحسه المتكلم ويدرك ما فيه من الإشارة ومن وجه الدلالة، لما كان الإعراب موضع هذا الخلاف بين النحاة، ولا كان تعلمه بهذه المكانة من الصعوبة، وزواله بتلك المنزلة من السرعة.
ألهذه العلامات الإعرابية معان تشير إليها في القول ؟ أتصور شيئا مما في نفس المتكلم، وتؤدي به إلى ذهن السامع؟ وما هي هذه المعاني؟
والعربية - لغة القصد والإيجاز - أتلتزم علامات الإعراب على غير فائدة في المعنى، ولا أثر في تصويره؟
لقد أطلت تتبع الكلام، أبحث عن معان لهذه العلامات الإعرابية، ولقد هداني الله - وله خالص الإخبات والشكر - إلى شيء أراه قريبا واضحا، وأبادر إليك الآن بتلخيصه: (1)
إن الرفع علم الإسناد، ودليل أن الكلمة يتحدث عنها. (2)
إن الجر علم الإضافة، سواء أكانت بحرف أم بغير حرف. (3)
إن الفتحة ليست بعلم على إعراب، ولكنها الحركة الخفيفة المستحبة، التي يحب العرب أن يختموا بها كلماتهم ما لم يلفتهم عنها لافت؛ فهي بمنزلة السكون في لغتنا الدارجة. (4)
إن علامات الإعراب في الاسم لا تخرج عن هذا إلا في بناء، أو نوع من الاتباع، وقد بيناه أيضا.
فهذا جماع أحكام الإعراب؛ ولقد تتبعت أبواب النحو بابا بابا، واعتبرتها بهذا الأصل القريب اليسير، فصح أمره، واطرد فيها حكمه.
ثم زدت في تتبع هذا الأصل، فتجاوزت حركات الإعراب، ودرست التنوين على أنه منبئ عن معنى في الكلام، فصح لي الحكم واستقام، وبدلت قواعد «ما لا ينصرف»، ووضعت للباب أصولا أيسر وأنفذ في العربية مما رسم النحاة للباب، ولا أؤجل عنك إجمال هذه الأصول أيضا: (1)
إن التنوين علم التنكير. (2)
لك في كل علم ألا تنونه، وإنما تلحقه التنوين إذا كان فيه حظ من التنكير. (3)
لا تحرم الصفة التنوين حتى يكون لها حظ من التعريف.
والبحث الذي أقدمه إليك الآن، هو شرح موجز لهذه الفكرة، ودرس لها في أبواب النحو المختلفة، وبيان لما رأينا من الأدلة لتأييدها.
وكنت أريد أن أشكر لصديقي الدكتور طه حسين، وأذكر فضله في إتمام البحث وإخراج الكتاب؛ ولكنه آثر أن يقدم الكتاب، وانزلق إلى الثناء على صاحبه، فأجررت أن أتكلم.
وحق علي أن أشكر تلاميذي الذين عاونوني في شيء من المباحث، وإن لم أملك الآن أن أسميهم وأعمالهم.