تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يفهم هذا المعنى مع تقديم الفعل، إذا بدا في الكلام ما يدل على استقلال الثاني بالحديث والقصد إلى الإخبار، كما تقول: ظننت لزيد ذاهب. ولولا أن استقلال الثاني من غرض المتكلم كان وجيها أن يؤكد الكلام بعد فعل يدل على معنى الشك أو الرجحان، فقد سيق القول مساق التأكيد والتحقيق، ثم قيل: إن هذا مبلغ ظني، وجهد رأيي. وهذا التفسير قد تردد في كلام سيبويه في مواضع من كتابه.

وما ورد من الرفع بعد ظن فهو على هذا، والكلام فيه كلامان. وما الأدوات التي عدها النحاة معلقة للفعل عن العمل إلا دلائل على أن الكلام الثاني مستقل يقصد إلى الإخبار به، فيذكر معه ما يشهد بابتداء الكلام واستئنافه، وأنه لم يجئ بمنزلة اللاحق وإن جاء في اللفظ متأخرا.

فهذا تفسير كلام النحاة وما قالوه في الإلغاء والتعليق، على وجه يغني عن كثرة الاصطلاح وتعديد الأقسام، ويريح من كثير من الخلاف، ثم هو يرسل حكم الإعراب واحدا مستقيما، غير مردد ولا مضطرب.

فليس لنا من موضع نجيز فيه الرفع والنصب، أو نفضل أحد الوجهين على صاحبه، وإنما هو المعنى الذي يراد بيانه يوجب سبيلا واحدا مخصصا للأداء. (3) باب الاشتغال

الموضع الثالث من المواضع التي ردد النحاة فيها الحكم بين النصب والرفع باب الاشتغال. وهو باب دقيق عويص، وعر النحاة فيه البحث وأكثروا الخلاف.

وأصل هذا الباب أنك تقول: لقيت زيدا، فزيد منصوب وهو مفعول «لقيت» كما يعرب النحاة، ولك أن تقدم «زيدا» لسبب ما من أغراض التقديم، فتقول: زيدا لقيت، أو زيدا لقيته، وهذا التركيب الأخير وحده هو موضع الاشتغال ولأجله خلق الباب، وأطيلت أبحاثه.

والعقبة التي لوت طريق النحاة، هي أن الفعل قد نصب الضمير واستوفى بذلك عمله، فليس له أن ينصب الاسم المتقدم بعد ما شغل بضميره، واضطروا بحكم نظرية العامل وحكم فلسفتهم فيها، أن يقدروا لنصب هذا الاسم عاملا محذوفا واجب الحذف، يفسره الفعل المذكور، وتقدير الكلام عندهم: «لقيت زيدا لقيته.»

والفعل المقدر يسمى: «المضمر على شريطة التفسير» والفعل المذكور في الكلام يسمى: «المشغول أو المفسر»، والضمير المتصل به يسمى: «الشاغل».

والاسم المتقدم يسمى : «المشغول عنه أو المحدود»، والباب كله «باب الاشتغال».

والأصل عندهم في الاسم المحدود أنه يجوز فيه وجهان: الرفع والنصب. والرفع راجح لأنه لا يحوج إلى تقدير فعل، والنصب مرجوح لحاجته إلى فعل مقدر، ثم قد يعرض للكلام ما يجعل النصب مختارا، أو يوجب أحد الوجهين.

ويهمنا أن ندرس مواضع ترديد الحكم بين النصب والرفع، وقد علمت موضع اختيارهم للرفع. وأما اختيارهم للنصب ففي المسائل الآتية:

الأولى:

أن يكون الفعل دالا على الطلب بصيغته كفعل الأمر، أو بأداة يقترن بها كالمضارع بعد لام الأمر ولا الناهية.

الثانية:

أن يقع الاسم بعد أداة، الغالب أن يليها فعل، وذكروا منها أدوات الاستفهام غير «هل»، وأدوات النفي: «ما»، و«لا»، و«إن». على خلاف في بعضها.

الثالثة:

أن يقع الاسم جوابا لاستفهام منصوب؛ مثل: زيدا لقيته، في جواب: من لقيت؟ أو يقع الاسم بعد عاطف على جملة فعلية سابقة، ولم يفصل بين الجملتين بأما؛ مثل: أدنيت زيدا وعمرا أقصيته، فإذا جئت بأما كان الرفع المختار، وقلت: أدنيت زيدا وأما عمرو فأقصيته.

هذا مجمل ما فصلوا، وأعفيناك من خلاف وجدل عنيف، أما تفسير هذه الأحكام كلها على ما ذهبنا إليه فقريب؛ وذلك أنك إذا أردت بالاسم المتقدم على الفعل في مثل: «زيد رأيته» أن يكون متحدثا عنه مسندا إليه، فليس إلا الرفع، والاسم آت في موضعه من الكلام؛ وإذا أردت أن هذا الاسم إنما سيق تتمة للحديث وبيانا له لا متحدثا عنه، فالحكم النصب، تقول: «زيدا رأيته»، وقد تقدم الاسم عن موضعه، وخولف به ترتيبه لغرض أو لمعنى قصد إليه المتكلم من معاني التقديم.

إحياء النحو · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٣٧