وقد يتوسط المعمولين، فتقول: زيد ظننت ذاهب. ويجيز النحاة هنا الإعمال والإلغاء أيضا، ثم يختلفون في أي الوجهين أولى، فجمهورهم يرى أن الوجهين على السواء، ومنهم من يرجح الإعمال.
أما إذا قدمت الفعل على الاسمين وجريت على الأسلوب الغالب، فقلت: ظننت زيدا ذاهبا، فالإعمال ونصب الاسمين واجب على مذهب البصريين. وأجاز الإلغاء ورفع الاسمين في هذه الحالة أيضا الكوفيون والأخفش من متقدمي البصريين، وابن الطراوة وأبو بكر الزبيدي من نحاة الأندلس، فهذا ملخص قولهم في الإلغاء.
أما التعليق، فهو أن يتقدم الفعل ويتأخر الاسمان، ولكن يصحبهما أداة من أدوات الصدارة التي تحجب ما قبلها أن يعمل فيما بعدها؛ مثل: لام الابتداء، و«ما» و«إن» النافيتين.
ويفرقون بين الإلغاء والتعليق بأن الإلغاء في كل مواضعه جائز، فحيث ألغيت الفعل جاز لك إعماله، أما التعليق فواجب متى تحقق سببه، فليس لك أن تعمل الفعل وقد علقته أداة نفي أو استفهام. ويفرقون بينهما بفرق آخر واضح فيه التكلف، فيقولون: إن الفعل الملغى لا يعمل في اللفظ ولا في المحل، أما المعلق فإنه يحجب عن العمل في اللفظ ويبقى عاملا في المحل، وتفصيل ذلك وما فيه من خلاف وجدل، قريب لمن شاء أو يرجع إليه في «باب ظن» من الكتب الموسعة.
وتفسير هذه الأوجه كلها على الأصل الذي ذهبنا إليه قريب إن شاء الله.
وذلك أنك تقول: ظننت زيدا ذاهبا، فيتجه همك قصدا وابتداء إلى الإخبار بأنك ظان أمرا، فأنت تتحدث عن نفسك في ذلك، وما الاسمان بعد ظن إلا تكملة وبيان لما تعلق به الظن؛ فحكم الاسمين إذن النصب، وليس فيهما من متحدث عنه فيرفع.
ويشهد لما قررناه تصريح النحاة بأن الاسمين بعد هذه الأفعال قد صارا فضلة، وأنه يجوز حذفهما اقتصارا، والاستغناء عنهما معا، ومن أمثلته: «من يسمع يخل»، و
أعنده علم الغيب فهو يرى (النجم: 35)،
إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (النحل: 74)،
إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (الجاثية: 32).
وقد يكتفى عن الاسمين باسم واحد، قال الإمام الرضي:
2 «إنه يجوز في «رأى» من الرأي أن تنصب مفعولين أو واحدا ؛ مثل: رأى أبو حنيفة حل كذا، أو: رأى أبو حنيفة كذا حلالا.» ا.ه. قال الصبان:
3 «وهذا صريح في جواز استعمال أفعال هذا الباب متعدية إلى واحد هو مصدر ثاني الجزئين مضافا إلى أولهما من غير تقدير مفعول آخر؛ لأن هذا المصدر هو المفعول به في الحقيقة.» ا.ه. وعبارة أبي العباس المبرد في هذا أدق وأبين، قال:
4 «ألا ترى أنك إذا قلت: ظننت زيدا أخاك فإنما يقع الشك في الأخوة، فإن قلت: ظننت أخاك زيدا أوقعت الشك في التسمية؟! وإنما يصلح التقديم والتأخير إذا كان الكلام موضحا عن المعنى.» ا.ه.
فلا خلاف بين النحاة في أن الجملة بعد ظن قد فقدت ما فيها من الإسناد وصار جزءاها فضلة يتم بهما ما قبلهما من الكلام.
وقد يكون من هم القائل أن يقول: «زيد ذاهب» يقصد أولا إلى الإخبار بهذا والحديث عن زيد، ثم يقول: هذا ظني، أو أظن، أو ظننت. فهنا كلامان، وحكم الاسمين على أصلنا الرفع، وأسلوب الكلام أن يتأخر الفعل ويتقدم الاسمان، فيجيء ترتيب اللفظ في النطق على ترتيب المعنى في النفس، وخطوره بالفكر، على أنه يمكن أن يفهم هذا مع المتوسط أيضا؛ إذ تقول: زيد أظن ذاهب.
وهذا هو تفسير سيبويه لمعنى الإلغاء في كتابه، قال في «باب الأفعال التي تستعمل وتلغى»: «وكلما أردت الإلغاء فالتأخير أقوى ... وإنما كان أقوى؛ لأنه إنما يجيء بالشك بعدما يمضي كلامه على اليقين، أو بعدما يبتدئ وهو يريد اليقين، ثم يدركه الشك، كما تقول: «عبد الله صاحب ذاك، بلغني» وكما قال: «من يقول ذلك؟ تدري؟» فأخر ما لم يعمل في أول كلامه، وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مضى كلامه على اليقين وفيما يدري، فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل قدم أو أخر، كما قال: زيدا رأيت، ورأيت زيدا. وكلما طال الكلام ضعف التأخير إذا أعملت.» ا.ه.