تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الحرف؛ فإن حرف الجر ضعيف أن يعمل محذوفا، وإذا حذف نصب المعمول بعده، وإذا ضعف أن يعمل جرا واحدا، فليس له أن يعمل جرين إلا بسبيل الإتباع.

هذا قولهم، وقد بينا لك من قبل أنا نرجع إلى المعنى، فما كان في المعنى مضافا إليه فهو مجرور، والجر علم الإضافة، ولا شيء من الإتباع في باب العطف.

بقية التوابع

أما سائر التوابع بعد العطف، فهي قسمان:

الأول:

تكون فيه الكلمة الثانية من الأول بمنزلة المكمل للمعنى، المتمم له، حتى لا يفهم المعنى إلا بهما معا، وحتى يكونا في الدلالة على ما يراد بمثابة «عبد الله» في الدلالة على مسماه. تقول: «استشر عاقلا نصيحا»، ليس المستشار، أو من رغبت في أن يستشار، إلا ما أفهمت بالكلمتين: «عاقلا نصيحا»، وكذلك الآية الكريمة:

ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة (النساء: 92).

وهذا التفسير في معنى هذا النوع من التوابع مأخوذ من قول سيبويه؛ قال في مثل مررت برجل ظريف ما نصه: «فصار النعت مجرورا مثل المنعوت لأنهما كالاسم الواحد، من قبل أنك لم ترد الواحد من الرجال الذين كل واحد منهم رجل، ولكنك أردت الواحد من الرجال الذين كل منهم رجل ظريف فهو نكرة، وإنما كان نكرة لأنه من أمة كلها له مثل اسمه؛ وذلك أن الرجال كل واحد منهم رجل، والرجال الظرفاء كل واحد منهم رجل ظريف، واسمه يخلطه بأمته حتى لا يعرف منها.»

2

وزاد شارحه السيرافي، فقال: لو قلت رجل ظريف صيرفي صار من جملة الظرفاء الصيارفة، وهم أقل من الرجال الظراف فقط، ولم يطلب في غير الصيارفة. ا.ه.

فهذا النوع الأول من التوابع، وحكمه أن يكون للاسم الثاني ما للأول من إعراب وتعريف وتنكير وتأنيث من حيث اتصل فيهما المعنى؛ بل من حيث امتزجا هذا الامتزاج الذي تراه.

القسم الثاني:

من التوابع لا تكون الكلمة الثانية فيه من الأولى بمنزلة المكمل - حتى لا يفهم المعنى المقصود إلا بهما معا - بل يكون الأول دالا على معناه مستقلا بإفهامه، والثاني: دالا على معنى الأول مع حظ من البيان والإيضاح يجيء من قرن الكلمتين إحداهما إلى الأخرى.

وأنت تستطيع أن تقف عند الكلمة الأولى وقد فهم الكلام بتمامه فهما ما، كما تستطيع أن تكتفي بالثاني والمعنى قد فهم أيضا، فإذا ضممت الكلمتين، أفدت التأكيد أو زيادة البيان، كما في: زارني محمد أبو عبد الله، ولقيت القوم أكثرهم أو كلهم.

تقول: «زارني محمد»، أو: «زارني أبو عبد الله»، والمعنى فيهما واحد. وتضم الاسمين معا، فتقول: «زارني محمد أبو عبد الله»، فهو المعنى الأول زدته بيانا أو تأكيدا، وذلك بعيد مما رأيته من قبل في النعت.

هذا النوع الثاني من التوابع يشمل الأقسام التي سماها النحاة بدلا، وتوكيدا، وعطف بيان. وتتفق فيه الكلمتان في الإعراب من حيث كان مدلول الأولى مدلول الثانية، والحكم على إحداهما بأنه متحدث عنه أو مضاف إليه، حكم على الأخرى؛ لما رأيت من اتفاق المدلول، ثم لا يلزم أن يتفق اللفظان في التعريف والتنكير، فقد يغلب أن يكون الثاني أعرف من سابقه أو مثله في التعريف، وربما كان أقل منه تعريفا إذا كان قرنه إليه وإتلاؤه له يزيد السابق بيانا.

هذه هي التوابع: نوعان يختلفان في أداء المعنى وفي حكم اللفظ؛ وهو تقسيم كما تراه يميز ما بينهما تمييزا واضحا، ويجعل المعنى هو الحكم في تمييز كل نوع، وفي إعطائه ما ينبغي له من الحكم.

هذا التقسيم على وضوحه وقلة الأقسام فيه، واعتماده على المعنى، يفصل ما بين النحاة من خلاف في تمييز الأقسام بعضها من بعض، ويقينا الاضطراب الذي يضطر به النحاة في كثير من المواضع؛ أهي النعت، أم بدل، أم عطف بيان؟

قال السيوطي في جمع الجوامع في باب النعت:

3 «وجوز الكوفية التخالف في المدح والذم، ومثلوا بقوله تعالى:

ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا

إحياء النحو · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ٣٠