ولم يبق من العلامات الفرعية إلا باب المثنى، ونقرر أنه قد شذ عن أصلنا، ولكن باب التثنية في العربية غريب كباب العدد؛ إذ يذكر فيه المؤنث ويؤنث المذكر، ومن توسع في درس المثنى ورأى وضع العرب له مرة موضع المفرد، وأخرى موضع الجمع، تجلى له حقيقة ما نقول.
فليس يقدح شذوذ المثنى في أمر تقرر في سائر العربية واستقام في كل أبوابها.
| التوابع
المماثلة بين الكلمات العربية، ومشاكلة الكلمة لسابقتها، أمر كثير شائع. وأنواع السجع في النثر، والقافية في الشعر، والفواصل في آي الكتاب الحكيم، كلها شاهدة بأن الانسجام، والتماثل بين الكلمات، من الموسيقى العربية وجمالها المرعي.
وفي البديع كثير من أنواع الجناس والموازنة، كلها مماثلة لفظية تعد من جمال القول وحسن تأليفه.
والذي يهمنا دراسته، هو المماثلة في الإعراب، وهو الذي يسميه النحاة إتباعا، ويسمون اللفظ الثاني من المتماثلين تابعا، والأول متبوعا. ويعدون التوابع خمسة: النعت، والتوكيد، والبدل، وعطف البيان، وعطف النسق. ويلحقون بها الإتباع للمجاورة، وهو يختص عندهم بالجر، ويعدونه قليلا أو شاذا.
ونريد أن نعرف سبب هذا الإعراب في التوابع وما يدل عليه من معنى، لنرى أيطرد في هذا الباب الأصل الذي قررناه من قبل في معاني الإعراب.
العطف
أما عطف النسق، فإنك إذا قلت: جاء زيد وعمرو، وجدت أن الاسمين متحدث عنهما، ولو أنك أخرت الحديث أو المسند لقلت: زيد وعمرو جاءا، ومن هنا استحق كل من الاسمين الرفع؛ على الأصل الذي قررنا. ولم يكن الأول أحق بهذا النوع من الإعراب، ولا الثاني محمولا عليه؛ كلا الاسمين متحدث عنه، وكلاهما له إعراب المتحدث عنه وهو الرفع.
وكذلك في الإضافة تقول: هذا أخو زيد وعمرو، ومال زيد وعمرو، فالإضافة إلى كل من الاسمين، كأنك قلت: هذا أخو زيد وأخو عمرو؛ وإنما أوجزوا إذ وجدوا الإيجاز دالا، وأنت تعلم أن الاقتصاد من القوانين الطبيعية في اللغات، وأنه في العربية كثير شائع، وظاهر واضح.
فليس الأمر في العطف إتباعا، وإنما هو كما قال سيبويه: إشراك أو تشريك.
1
وما رأيت في الواو العاطفة تراه في سائر حروف العطف، فمثل: جاء زيد لا عمرو. وما جاء زيد بل عمرو؛ المتحدث عنه اسمان أيضا، أثبت لواحد ما نفيته عن الثاني، وكذلك هو مال زيد لا عمرو، وما هو بمال زيد بل عمرو، لا يفهم الكلام إلا على الإضافة، وإن تكن بسبيل الإثبات في واحد والنفي مع الآخر.
وباب العطف إذن ليس له إعراب خاص، وليس جديرا أن يعد من التوابع، ولا أن يفرد بباب لدرسه. هذا من ناحية الإعراب، أما من جهة معاني الحروف العاطفة أما المشركة ومواضع استعمالها، فهذا مكان الدرس، ولم نزل ندعو إلى دراسة الأدوات منفصلة عما أعده النحاة لها من أثر في الإعراب، وإلى توفير البحث عن معانيها وسبل استعمالها، كما طلبنا من قبل في أدوات النفي وأدوات التوكيد، ونعد هذا أحق الدراسات النحوية أن نوفر عليها العناية، وننعم فيها النظر لنكشف عن أسرار العربية في التعبير، ومزاياها في البيان وحسن التصوير.
والذي حمل النحاة على أن يجعلوا للعطف بابا خاصا، هو فلسفتهم في العامل؛ وذلك أن مثل «قام زيد وعمرو»، رفع فيه الفعل فاعله واستوفى عمله عند الاسم الأول، ولا يعمل الفعل إلا رفعا واحدا، كما قدمنا في نقد نظرية العامل وتلخيص قواعدها، فكان حتما أن يجعلوا رفع الاسم الثاني من سبيل الإتباع للأول. وكذلك الإضافة في مثل: غلام زيد وعمرو، يختلف النحاة في العامل الجر، أهو الاسم الأول؟ أم الحرف المقدر؟ أم معنى الإضافة؟ ثم يتفقون على أن العامل في الإضافة ضعيف أيا كان نوعه. فأما الاسم فإنه ضعيف في باب العمل؛ لا يعمل حتى يحمل على الفعل ويلحق به، وحظه من شبه الفعل هنا ضعيف، وحمله على الفعل في عمل الجر أضعف؛ إذ كان الفعل لا يعمل الجر، ولا يدخله الجر.