تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الرأي كالأصل لما ذهبنا إليه، وقد بينه الزجاجي في كتاب له يسمى «إيضاح علل الإعراب» لم يقع لنا منه إلا ما نقلناه هنا، وأخذناه من كتاب الأشباه والنظائر للإمام السيوطي.

وإذا رأيت أن أصل رأينا من كلام المتقدمين، فإنا نرجو أن تسايرنا في درسه، غير مستنكر له، ولا ضائق به. (1) الضمة علم الإسناد

الأصل الأول أن الضمة علم الإسناد، وأن موضعها هو المسند إليه المتحدث عنه، ونريد هنا أن نتحرى المرفوعات عند النحاة ونستقرئ أبوابها، ونعتبرها بهذا الأصل لنرى كيف يتم اطراده فيها، وانسجامه معها.

المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل

كل واحد من هذه المرفوعات «مسند إليه» كما تعلم - وهو اصطلاح آثره من قبل علماء البيان واستعملوه في كتبهم، وجعلوا الأنواع الثلاثة نوعا واحدا في العنوان، وفيما أجروا من الأحكام - بل إن سيبويه قد سبقهم إلى هذا الاصطلاح، واستعمل «المسند إليه»

3

فيما يشمل هذه الأقسام، وكرره في مواضع من كتابه.

وإذا تتبعنا أحكام هذه الأبواب لم نر ما يدعو إلى تفريقها، ورأينا في أحكامها من الاتفاق والتماثل ما يوجب أن تكون بابا واحدا يعفينا من تشقيق الكلام وتكثير الأقسام.

فأما نائب الفاعل فإن النحاة أنفسهم لا يفرقون بينه وبين الفاعل في الأحكام؛ ومنهم من يرسم لهما بابا واحدا. وما الفرق بين كسر الإناء وانكسر الإناء إلا ما ترى بين صيغتي كسر وانكسر، وما لكل صيغة من خاصة في تصوير المعنى، أما لفظ الإناء فإنه في المثالين «مسند إليه» وإن اختلف المسند.

وأما الفاعل والمبتدأ، فإن النحاة يجعلون بينهما فوارق ماثلة ظاهرة ، ويجعلون لكل باب أحكاما خاصة؛ ولكن شيئا من الإمعان في درسها ينتهي إلى توحيد البابين واتفاقهما في الأحكام، وإلى أن هذا التفريق قد يكون منسجما مع صناعة النحاة في الإعراب، ولكنه مبعد عن فهم الأساليب العربية.

فأول ذلك:

أنهم يقولون: إن الفاعل يجب أن يتأخر عن الفعل، لا يتقدمه بحال. أما المبتدأ فإن أصله التقديم، وربما جاء متأخرا، فللمبتدأ من الحرية في الجملة ما ليس للفاعل.

هذا حكم النحاة أو جمهورهم؛ أما الأسلوب العربي فإنك تقول: «ظهر الحق» «والحق ظهر» تقدم المسند إليه أو تؤخره، وكلا الكلامين عربي سائغ مقبول عند النحاة جميعا، ولكن النحاة والبصريين خاصة يحرمون أن يتقدم لفظ «الحق» في «ظهر الحق» وهو فاعل، كما يحرمون أن يتأخر المبتدأ من «الحق ظهر» وهو مبتدأ. فالحكم إذن نحوي صناعي لا أثر له في الكلام، وليس مما يصحح به أسلوب أو يزيف، وإنما هو وجه من أوجه الصناعات النحوية المتكلفة لا يعنينا أن نلتزمه، بل نحب أن نتحرر منه.

والعربية في هذا الاسم المتحدث عنه أو «المسند إليه» يتقدم على المسند ويتأخر عنه، سواء كان المسند اسما أو فعلا. وهذا أصل من أصول العربية في حرية الجملة والسعة في تأليفها.

الحكم الثاني:

مما يفرقون به بين المبتدأ والفاعل، أن المبتدأ قد يحذف ولا يجوز حذف الفاعل؛ وذلك فرق صنعه الاصطلاح النحوي أيضا، فإن المبتدأ لا يذكر في الجملة فيقولون: هو محذوف، والفاعل لا يذكر فيقولون هو مستتر. ومثال ابن مالك لحذف المبتدأ أن يقال في جواب كيف زيد؟ «دنف» أي عليل. فإذا قيل في الجواب: دنف. أي: اعتل، جعلوا الفاعل مستترا، ولم يقولوا محذوف وهو اصطلاح نحوي لا أثر له في القول، فلا وجه لالتزامه والتفرقة به.

الحكم الثالث:

أن الفعل يوحد والفاعل جمع أو مثنى، فلا مطابقة في العدد بين الفعل والفاعل، تقول: فاز الشهيد، وفاز الشهداء، أما المبتدأ فالمطابقة بينه وبين الخبر واجبة، تقول: الشهيد فائز، والشهداء فائزون، وهذه التفرقة لو صحت لكانت كافية للتفريق بين الاثنين في الدرس، ومبررة لتمييز كل نوع بباب، ولكن شيئا من التأمل في حكم الاسمين والمقارنة بينهما يبين أن حكم المطابقة واحد في البابين؛ وذلك أن المطابقة بين المسند إليه والمسند لا تجيء تبعا لأن المسند فعل أو اسم، ولا لأن المسند إليه مبتدأ أو فاعل؛ بل تجيء تبعا لتقديم المسند إليه أو تأخره كما ترى:

إحياء النحو · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ١٧