تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان الكسائي

3

يقرأ يوما بحاشية الرشيد أبيات أفنون التغلبي، ومنها:

أبلغ حبيبا وخلل في سراتهم

أن الفؤاد انطوى منهم على حزن

أنى جزوا عامرا سوءى بفعلهم

أم كيف يجزونني السوءى من الحسن؟!

أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به

رئمان أنف إذا ما ضن باللبن؟!

ففتح نون رئمان، وكان الأصمعي حاضرا، فقال: هي رئمان بضم النون، فأقبل عليه الكسائي وقال له: اسكت ما أنت وهذا؟! يجوز رئمان ورئمان ورئمان. قالوا: ولم يكن الأصمعي صاحب نظر في النحو ولا معرفة بالعربية. وما دام التقدير يمدهم بما شاءوا فلهم أن يوجهوا الكلام كل وجه، ثم لا تعجزهم الحجة، ولا يعوزهم التقدير.

سأل يوما عضد الدولة فنا خسرو البويهي الإمام أبا علي الفارسي: لماذا ينصب المستثنى في نحو: قام القوم إلا زيدا؟ قال: بتقدير أستثني زيدا، فقال عضد الدولة - وكان فاضلا - لم قدرت أستثني؟ هلا قدرت امتنع زيد فرفعت؟! فلم يحر الفارسي جوابا، وقال: هذا الذي ذكرته لك جواب ميداني، فإذا رجعت ذكرت الجواب الصحيح.

4 (3)

إن النحاة بالتزامهم أصول فلسفتهم أضاعوا العناية بمعاني الكلام في أوضاعه المختلفة؛ من ذلك قولهم في باب المفعول معه: إن مثل: كيف أنت وأخوك؟ يجوز فيه النصب على المفعولية، والرفع على العطف، ثم يرون الوجه الثاني أولى، ويضعفون الأول؛ لأن الواو لم يسبقها فعل، يكون عاملا في المفعول معه، والحقيقة أن لكل من التركيبين معنى لا يغني عنه الآخر، تقول: كيف أنت وأخوك؟ أي كيف أنت؟ وكيف أخوك؟ فإذا قلت: كيف أنت وأخاك؟ فإنما تسأل عن صلة ما بينهما.

5

فالعبارتان صحيحتان، ولكل منهما موضع خاص، ولكن النحاة قد نسوا المعنى بالحرص على نظرية العامل.

ويقولون في مثل: صدق وآمن المسلمون. أن الصحيح: صدقوا وآمن المسلمون، أو صدق وآمنوا المسلمون؟ ولا يقبلون صدق وآمن المسلمون، وهو عربي سائغ مقبول، سمع من العرب في مثل:

تعفق بالأرطى لها وأرادها

رجال فيزت نبلهم وكليب

6

ولكن جمهور النحاة لا يقبلون هذا خشية أن يجتمع مؤثران على أثر واحد، وهو محال.

7 (4)

كثر الخلاف بينهم في كل عامل يتصدون لبيانه، فلا تقرأ بابا من أبواب النحو إلا وجدته قد بدئ بخصومة منكرة في عامل هذا الباب ما هو؟ (أ)

فالمفعول ما عامل النصب فيه؟

الفعل أو شبهه، وهو رأي جمهور البصريين.

أو الفاعل وحده، وهو رأي هشام الكوفي.

أو الفعل والفاعل، وهو رأي الفراء.

أو معنى المفعولية، وهو مذهب خلف. (ب)

وعامل المفعول معه ما هو؟

ما تقدمه من فعل ونحوه، وهو رأي الجمهور.

أو ناصبه الواو، وهو رأي الجرجاني.

أو فعل مضمر بعد الواو، وهو رأي الزجاج.

أو الخلاف، وهو رأي الكوفيين. (ج)

واختلفوا في عامل النصب للمفعول المطلق على ثلاثة عشر قولا؟!

حتى صار أكثر الخلاف بين النحويين، وأشد جدالهم، هو في العامل ما هو؟ ولو أنهم وضعوا نظريتهم على أصل صحيح لقل خلافهم وتقاربت آراؤهم.

8 (5)

إن النحاة بعد ذلك كله لم يفوا بمذهبهم، أو لم تف نظريتهم بكل حاجاتهم في الإعراب؛ لأنهم بعدما شرطوا أن يكون العامل متكلما به أو مقدرا في الكلام، اضطروا إلى الاعتراف بالعامل المعنوي.

فالبصريون يجعلون الرافع للمبتدأ هو الابتداء، وهو عامل معنوي، والكوفيون يثبتون عاملا معنويا آخر يسمونه الخلاف، يجعلونه عامل النصب في الظرف إذا كان خبرا، نحو: زيد عندك، وفي الفعل المضارع بعد فاء السببية أو واو المعية، والأخفش يعد التبعية عاملا معنويا. أما في باب التمييز، فقالوا: إن الاسم نصب عن تمام الكلام، ولم يذكروا عاملا لفظيا ولا معنويا.

فهذه الأوجه تنقض نظرية النحاة في العامل، أو تنقصها على الأقل، وهي مناقشة لكلامهم بمثل أصولهم، وبحكم قواعدهم التي التزموا.

على أن أكبر ما يعنينا في نقد نظريتهم أنهم جعلوا الإعراب حكما لفظيا خالصا يتبع لفظ العامل وأثره، ولم يروا في علاماته إشارة إلى معنى، ولا أثرا في تصوير المفهوم، أو إلقاء ظل على صورته، فقد رأيت الكسائي يحرك نون رئمان بالحركات الثلاث من غير أن يشير إلى ما يصير إليه المعنى عن كل حركة.

إحياء النحو · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ١٤