ومن تأثرهم بالفلسفة الكلامية رفضهم أن يجتمع عاملان على معمول واحد، واحتجاجهم لذلك بأنه إذا اتفق العاملان في العمل لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإذا اختلفا لزم أن يكون الاسم مرفوعا منصوبا مثلا، ولا يجتمع الضدان في محل. ومنه تحريمهم أن تتبادل الكلمتان العمل، واحتجاجهم بأن العامل حقه التقديم، والمعمول حقه التأخير، فتكون الكلمة متقدمة متأخرة، وهو محال.
فانظر كيف تصوروا «عوامل» الإعراب كأنما هي موجودات فاعلة مؤثرة، وأجروا لها أحكامها على هذا الوجه. قال الإمام الرضي: «والنحاة يجرون عوامل النحو كالمؤثرات الحقيقية.»
ولعل المناقشة الآتية تبين لك كيف كانوا يتصورون العامل: اجتمع أبو عبد الله الجرمي المتوفى سنة 225 بأبي زياد الفراء المتوفى سنة 206، فقال الفراء: أخبرني عن «زيد منطلق» لم رفع زيد؟ فقال الجرمي: رفع بالابتداء. قال الفراء: فأظهره. قال: هو معنى لا يظهر. قال: فمثله. قال: لا يمثل. قال الفراء : ما رأيت كاليوم عاملا لا يظهر ولا يتمثل! ونعلم أن أصحاب الفراء يرفعون المبتدأ بالخبر؛ فرارا من عامل لا يظهر ولا يتمثل.
ومثل آخر مما يبين تصورهم للعامل؛ يقول جمهور النحاة: إن المضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم؛ فيقول المعارضون: إن التجرد عدمي والرفع وجودي، ولا يحدث العدم الوجود؛ فيجيب الأولون: إن التجرد عدم محدود فهو وجود مقيد، ولا مانع أن يعمل مثله. وأمثلة هذه المناقشات تفيض بها كتب النحاة.
وليس من عيب في أن ينتفع النحاة بما بين أيديهم من الفلسفة ومن العلوم التي يدرسونها، ولا في أن يصطنعوا في تفكيرهم النمط المألوف في زمنهم، والسبيل المرسومة للجدل في أيامهم؛ فإن للتفكير في كل زمان مناهج متبعة ومبادئ مسلمة قد لا يخلص منها إلا من تعلق بوحي، وإذا نحن جهلناها لم نستطع أن نقدر منشأ كل رأي وغايته، ومتسرب الخطأ إليه، أو إحاطة الصواب به.
من أجل ذلك نرى طريق النحاة في استخدام فلسفة أيامهم - أو استخدامها إياهم - أمرا طبيعيا، لا مأخذ فيه، بل لا مندوحة عنه لمن أراد أن يفكر. ولكن علينا أن ننظر مبلغ توفيقهم في نظرهم، وإصابتهم للغاية التي سعوا إليها، وهي الكشف عن أحكام الإعراب وأسراره.
نقد مذهبهم (1)
لقد اضطروا في سبيل تسوية مذهبهم، وطرد قواعدهم إلى «التقدير» وأكثروا منه؛ يبحثون عن العامل في الجملة فلا يجدونه، فيمدهم التقدير بما أرادوا.
ومن أمثلة ما يقدرون: (أ)
زيدا رأيته: يقولون: هو «رأيت زيدا رأيته». (ب)
وإن أحد من المشركين استجارك : وإن استجارك أحد من المشركين استجارك. (ج)
لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي : لو تملكون تملكون خزائن رحمة ربي. (د)
وأما ثمود فهديناهم : وأما ثمود فهدينا هديناهم. (ه)
إياك والأسد أحذرك وأحذر الأسد. (و)
ويقطع النعت في مثل:
الحمد لله رب العالمين ، فتنصب كلمة رب وترفع؛ فيقدرون: هو رب، أو: أمدح رب.
هذه أمثلة لها نظائر كثيرة متعددة تملأ أبواب النحو، ولولا طول إلفنا لها في دراسة النحو لما استسغناها ولرأيناها لغوا وعبثا، ولكن عليها بني النحو، وأقيمت فصوله؛ إذ أقيمت على نظرية العامل.
والمقدر في الكلام نوعان: ما يكون قد فهم من الكلام، ودل عليه سياق القول، فترى المحذوف جزءا من المعنى، كأنك نطقت به، وإنما تخففت بحذفه، وآثرت الإيجاز بتركه. وهذا أمر سائغ في كل لغة، بل هو في العربية أكثر لميلها إلى الإيجاز وإلى التخفيف بحذف ما يفهم.
ولكن التقدير الذي نعيبه هو نظير ما قدمنا لك من الأمثلة: كلمات تجتلب لتصحح الإعراب، ولتكمل نظرية العامل، ويسمي النحاة هذا النوع من التقدير، بالتقدير الصناعي، وهو ما يراد به تسوية صناعة الإعراب. (2)
بهذا التقدير والتوسع فيه أضاع النحاة حكم النحو، ولم يجعلوا له كلمة حاسمة وقولا باتا، وكثروا من أوجه الكلام، ومن احتماله لأنواع من الإعراب، يقدرون العامل رافعا فيرفعون، ويقدرونه ناصبا فينصبون، لا يرون أنه يتبع ذلك اختلاف في المعنى ولا تبديل في المفهوم.