ودونوا للعامل شروطا وأحكاما هي عندهم فلسفة النحو، وسر العربية، سنجمع هنا من كلامهم ومن ثنايا أدلتهم وحججهم ما يشرح لك أصول نظرياتهم في العامل. قالوا: (1)
كل علامة من علامات الإعراب فهي أثر لعامل، إن لم تجده في الجملة وجب تقديره، وقد يكون هذا العامل واجب الحذف لا يصح أن ينطق به في كلام، ولكنه من المحتوم أن يقدر، وقد يقدر في الجملة عاملان مختلفان كما في: إياك والأسد.
1
وسقيا
2
لك. (2)
لا يجتمع عاملان على معمول واحد، فإذا وجد ما ظاهره أنه سلط عاملان على معمول، جعلوا لأحد العاملين التأثير في اللفظ وللآخر التأثير في الموضع، كما في «بحسبك هذا» و«رب رجل لا يحمل قلب رجل»؛ فلرب والباء العمل في اللفظ، والكلمتان بعدهما مرفوعتان محلا للابتداء.
ولرفضهم أن يعمل عاملان في معمول واحد خلقوا باب التنازع في العمل وما فيه من قواعد وأحكام ليس يخفى ما بها من اعتساف وتعقيد. (3)
الأصل في العمل للأفعال، وهي تعمل في الأسماء فقط، فترفعها وتنصبها، ولكنها لا تجر، ولا ترفع إلا اسما واحدا، وتنصب اسما أو أكثر، وتعمل الرفع والنصب معا. (4)
كلما كان الفعل أمكن في باب الفعلية كان أوفر من العمل حظا، فالفعل الجامد عامل ضعيف، لا يعمل فيما يتقدمه، وقد لا يعمل إلا بشروط تحد عمله، كفعل التعجب، ونعم وبئس؛ لا يرفع الأول إلا ضميرا مستترا واجب الاستتار. ولمرفوع نعم وبئس من الشروط ما هو مبين في بابه، كذلك الفعل الناقص محدود العمل لا يعمل إلا في المبتدأ والخبر، وقد يشترط لعمله شروط، كسبق النفي أو غيره. (5)
يكون الاسم عاملا - ويحمل في ذلك على الفعل - فيجب أن يتحقق له شبه بالفعل يقربه منه ويؤهله لحكمه، كما ترى في اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر. ويناط نصيبه من العمل بحظه من شبه الفعل، فيكون أقوى عملا إذا اتصل به ما يقربه من الفعل ويتمم شبهه به، كاعتماد اسم الفاعل على نفي أو استفهام، أو وقوعه صلة لأل، ويكون أضعف إذا طرأ له ما يبعده عن الفعل؛ كاسم التفضيل. فإنه لما قرن بمن كان بمنزلة المضاف فضعف شبهه بالفعل وقل عمله، واقتصر على رفع الضمير وامتنع أن يرفع الظاهر، وكالمصدر إذا صغر أبعده التصغير عن شبه الفعل فحرم العمل. والاسم يعمل في الاسم وفي الفعل، فيرفع الاسم وينصبه، ويجزم الفعل ولكن لا ينصبه. (6)
وللحرف طريقتان في العمل:
الأولى:
أن يكون أصلا فيه غير محمول على الفعل.
الثانية:
أن يعمل حملا على الفعل؛ وهو أبعد في العمل مسلكا، يعمل في الاسم وفي الفعل، فيرفع الاسم وينصبه ويجره، ويجزم الفعل وينصبه، ويعمل الجزمين معا كما في أدوات الشرط، ولا يعمل الرفع إلا إذا عمل النصب معه. يقول النحاة: «ليس لنا حرف يعمل الرفع إلا وهو يعمل النصب معا.»
وإذا عمل الحرف حملا على الفعل كان نصيبه من العمل بمقدار ما فيه من مشابهة الفعل معنى ولفظا؛ فإن تعمل لأنها تدل على التأكيد فأشبهت الفعل معنى، ولأنها ثلاثية فأشبهته صورة؛ فإذا خففت ضعف شبهها فقل عملها. قال ابن مالك:
وخففت إن فقل العمل
قال الشراح: وذلك لبعدها عن شبه الفعل في اللفظ بتخفيفها. (7)
إن الحرف لا يعمل في نوع من الكلمات حتى يكون مختصا به؛ «فلم ولن» عاملتان في المضارع لاختصاصهما به، و«قد» لم تعمل لدخولها على الماضي والمضارع، و«هل» الاستفهامية حرمت العمل؛ لأنها قد تدخل على الاسم كما تدخل على الفعل. (8)
يعمل الحرف في موضع عملا وفي غيره عملا آخر، مثل «لا» تحمل على «ليس» فتعمل عملها، وعلى «إن» فتكون مثلها. (9)
مرتبة العامل التقدم، وإذا كان العامل قويا أمكن أن يعمل متقدما ومتأخرا، فإذا كان ضعيفا لم يعمل إلا متقدما. (10)
الأصل ألا يفصل العامل من معموله، ويمكن تجاوز هذا في الفعل لقوته، وفي الاسم حملا عليه، أما الحرف فلا يجوز الفصل بينه وبين معموله. (11)