تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكرر عبد القاهر بيان هذا المعنى في مواضع من كتابه، وبالغ في الاستدلال له، وكأنه أحس ذلك من صنيعه، فقال: «واعلم أنه وإن كانت الصورة في الذي أعدنا وأبدأنا فيه من أنه لا معنى للنظم غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم، قد بلغت من الوضوح والظهور والانكشاف إلى أقصى الغاية، وإلى أن تكون الزيادة عليه، كالتكلف لما لا يحتاج إليه، فإن النفس تنازع إلى تتبع كل ضرب من الشبهة.»

8

إلخ.

وفي الحق أن الإمام أبا بكر قد بلغ أقصى الجهد في تصوير رأيه وتوضيحه، وفي الاستدلال له وتأييده، وأنه تركه بعد في غموض، وخلى العلماء منه في اضطراب.

فجمهور النحاة لم يزيدوا به في أبحاثهم النحوية حرفا، ولا اهتدوا منه بشيء، وآخرون منهم أخذوا الأمثلة التي ضربها عبد القاهر بيانا لرأيه، وتأييدا لمذهبه، وجعلوها أصول علم من علوم البلاغة سموه: «علم المعاني»، وفصلوه عن النحو فصلا أزهق روح الفكرة وذهب بنورها. وقد كان أبو بكر يبدي ويعيد في أنها معاني النحو، فسموا علمهم: «المعاني»، وبتروا الاسم هذا البتر المضلل.

كان الذي صرف النحاة عن «مجاز» أبي عبيدة فتنتهم بنحو سيبويه، وقرب عهدهم بكشفه، أما «نظم» عبد القاهر، فقد كان نصيبه أبخس، وشغل الناس عن فهمه أمران:

الأول:

عام يتصل بحال العلم في القرن الخامس، عصر أبي بكر، إذ كانت العقول قد همدت وقيدت بسلاسل من التقليد حرمت عليها أن تقبل أي ابتداع أو تجديد.

الثاني:

خاص يعود إلى طبيعة المذهب، وأن أساسه الذوق وتنبه الحس اللغوي لزنة الأساليب ودرك خصائصها. وقد كانت العجمة إذ ذاك غالبة بغلبة الأعاجم، والعلماء واقفون من علم العربية عند ظاهر لفظها، لا يبلغ بهم الحس اللغوي أن يذوقوا ما ذاق عبد القاهر، ولا أن يدركوا ما أدرك، فاضطر إلى مضاعفة الجهد في الكشف عن رأيه والاحتجاج له، ثم كتب له أن يخلي رأيه - على وضوحه - غامضا يعرض عنه قوم ويحرفه آخرون.

ولقد آن لمذهب عبد القاهر أن يحيا، وأن يكون هو سبيل البحث النحوي، فإن من العقول ما أفاق لحظه من التفكير والتحرر، وإن الحس اللغوي أخذ ينتعش ويتذوق الأساليب، ويزنها بقدرتها على رسم المعاني، والتأثير بها، من بعد ما عاف الصناعات اللفظية، وسئم زخارفها.

وإجمال ما في هذا الفصل أن حس العرب بالإعراب وإكرامهم له دعاهم أن يضبطوا بالنقط آخر الكلمات في القرآن الكريم حين يكتبونه، وأن ممارسة النحاة لهذا الضبط هدتهم إلى كشف علل الإعراب، فكان علم النحو؛ وأن اتجاههم إلى أواخر الكلمات وضبط قواعدها قد صرفهم عما كان ينبغي لهم أن يدرسوه من سائر نحو اللغة، وأنه قد كان من أئمتهم من دلهم على أهدى مما بأيديهم من قواعد الإعراب، فأغفلوه وأعرضوا عنه، موفرين جهدهم على درس الإعراب.

وننظر الآن مبلغ ما كشفوه من سر الإعراب.

| أصل الإعراب

أكب النحاة على درس الإعراب وقواعده فوق ألف عام، لا يعدلون به شيئا، ولا يرون من خصائص العربية ما ينبغي أن يشغلهم دونه، وألفوا فيه الأسفار الطوال، وأكثروا من الجدل والمناقشة في تعليله وفلسفته، حتى تركوا نحو العربية أوسع الأنحاء أسفارا وتأليفا وفلسفة وجدلا، فماذا بلغوا من كشف سر الإعراب وبيان حقيقته؟

أساس كل بحثهم فيه أن «الإعراب أثر يجلبه العامل»، فكل حركة من حركاته، وكل علامة من علاماته، إنما تجيء تبعا لعامل في الجملة - إن لم يكن مذكورا ملفوظا، فهو مقدر ملحوظ - ويطيلون في شرح العامل وشرطه ووجه عمله، حتى تكاد تكون نظرية العامل عندهم هي النحو كله.

أليس النحو هو الإعراب، والإعراب أثر العامل؟! فلم يبق إذن للنحو إلا أن يتتبع هذه العوامل، يستقرئها ويبين مواضع عملها، وشرط هذا العمل؛ فذلك كل النحو.

وعلى هذا ألفت كتب تجمع قواعد النحو بعنوان «العوامل»؛ فألف الإمام أبو علي الفارسي المتوفى سنة 377 كتاب العوامل ومختصره؛ وألف الشيخ عبد القادر الجرجاني المتوفى سنة 471 كتاب «العوامل المائة»، وهو باق بأيدينا، محيط بقواعد النحو، جعل منهاجا للتعليم زمنا، وتوفر الناس على درسه وشرحه، كما جعلت ألفية ابن مالك إلى هذا العهد.

إحياء النحو · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

إحياء النحوص ١٠