إن الدافع لاستعراب كراتشكوفسكي وغيره من المستعربين الروس لم يكن بدافع الولع بغرائبية الشرق وإنما هو عمل معرفي يتصل بحضارات الشعوب الإسلامية وإذا كان الشرق عالماً عجيباً يُدرسُ لعجائبيته هذه، وللصور الخيالية التي ارتبطت في ذهن الغرب الأوروبي عن هذا الشرق الذي كان مزدهراً، والآن أصبح أسطورة ميتة لا حياة فيها، لأن سنوات الازدهار الحضاري انتهت، وانتهى معها الشرق العربي المسلم، وانتهت معهم لغتهم التي أصبحت لغة ميتة لا تواكب تطورات الحضارة المعاصرة. إن الاستشراق الغربي يكرس فكرة موت هذا الشرق حضارة ولغة وأن الغرب هو الذي سيبعث فيه الحياة. إن الشرق نفسه غير قادر على الانبعاث من جديد.
وهنا يختلف الاستعراب الروسي عن الاستشراق الأوروبي الغربي إذ (توجد في العائلة البشرية الكبرى، أمم يعتقد حسب الرأي السائد بأنها لم تعد تلعب دوراً نشيطاً في التطور الحضاري العام ويورد كل باحث في هذا المجال تحفظاً يؤكد فيه أن موضوع بحثه يتسم بأهمية (أكاديمية)، فقط، وليس له شأن يذكر بالنسبة للواقع العصري وعندما يبدي هذا الباحث إعجابه الشديد بالماضي المجيد، غالباً ما يغيب هذا الواقع العصري عن باله، فلا يرى، كيف تقوم، على أنقاض الماضي، حياة جديدة تمنح البشرية مفاجآت لا تتميز أحياناً بصفة أكاديمية على الإطلاق، والعرب هم من بين تلك الأمم)(1). إنه الشرق المتجدد (الشرق العربي الحي)(2).
المستعربون الروس المعاصرون:
(1) ص 8 بحوث سوفيتية في الأدب العربي.
(2) ص 62 المخطوطات.