يقول كراتشكوفسكي (فقد أردت أن أتعرف على حبيب الزيات الذي كان يعمل بتجارة الفاكهة المجففة وتصديرها إلى جميع أنحاء العالم ولكنه كان ينتهز كل دقيقة من أوقات فراغه ليبحث في المخطوطات وقد كان عالماً دقيقاً ذواقاً ومحباً للمخطوطات، وبكل هذه الموهبة التي أوتيها كان يختلس من المخطوطات القديمة صوراً منسية تتصل بالثقافة العربية ثم يعمل على إحيائها في مقالاته المتعددة التي طبعت في مابعد)(1).
إذن، هذه هي نماذج العقل العربي التي يقدمها الاستعراب الروسي لقرائه، العقل الذي ساهم في إخراج تراثه المخطوط إلى النور من خلال تبادل الآراء والنقاش والتعاون العلمي مع العلماء الآخرين وإذا كان هناك ثمة عمل إحيائي للتراث العربي الإسلامي فقد قام العلماء العرب متعاونين في مرات عديدة مع العلماء الأجانب، تعاون الأكفاء لا تعاون الأوصياء. إن حرية التفكير وإتاحة حرية التعبير للعقل العربي تمت ممارستها بأوسع صورها في عصور ازدهار الحضارة العربية والإسلامية، هذا ما أراد المستعرب الروسي قوله عندما قرأ الأبيات التالية للأخطل الأموي:
ولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائم أبداً أنادى ... كمثل العير حيِّ على الفلاح
ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح.
(1) ص 46 نفس المصدر.