هذا الزميل هو أحمد تيمور باشا، المصري صاحب أحسن مجموعة خاصة من المخطوطات في القاهرة، كان قد جمعها بحب كبير وسعة معرفة كان هذا العالم كريماً لدرجة عجيبة فقد كشف كنوزه لمختلف العلماء من مختلف البلاد، وكان متواضعاً نادر الوجود فقد كان يجعل من نفسه زميلاً في العمل لمن يراسله من العلماء إذا أحس بأن لدى هذا المراسل تذوقاً للأدب العربي، وكانت مجموعة هذا العالم تحتوي مخطوطاً آخر عن (رسالة الملائكة) فبدأت بين القاهرة ولينغراد مراسلات حية. ومن جديد ثارت مناقشة حول مختلف الأشكال وتبيان الإشارات والافتراضات المتعلقة بها. وعلى تلك القصاصات النظيفة المستطيلة التي كتبت بخط شيخ عجوز لكن بحروف جميلة واضحة كان أحمد تيمور باشا من أسبوع لأسبوع يرسل إلي بأفكاره واقتباساته في رده على أسئلتي، أو يرسل إلي مايخطر بفكره هو نفسه، وفي كل مرة بنشوة مضطرمة كنت أفتح خطاب تيمور باشا الذي كنتُ أجد فيه مراراً الجديد من الاكتشافات، بل كنت أجد أحياناً وبدون توقع شعراً وأمثالاً وأقوالاً، كنت في ذلك الوقت أشد ما أكون حاجة إليها لتوضح تلميحات أبي العلاء التي تعبنا أعواماً عديدة في محاولة كشفها وتبينها)(1) إن الفرق واضح جلي بين تقديم الاستشراق الأوروبي الغربي للشخصية العربية المسلمة، وبين تقديم الاستعراب الروسي لنفس الشخصية. إن الأول يورث الرغبة في التملك والسيطرة والاستعمار، لعدم كفاية العقل العربي على إدارة شؤونه وتنظيمها، يورث الثاني التكافؤ في التعامل والاحترام لعقول الآخرين وشخصياتهم، وإنصافهم من خلال التعامل من موقع التكافؤ الإنساني، الذي سمح بالتعاون العلمي بين المستعرب الروسي والعالِم العربي. إن الشخصية الإسلامية المحبة للعلم الواعية، لم تقتصر فقط على عدد محدد من العلماء، وإنما برز الاهتمام الثقافي حتى لدى أولئك الذين يديرون أعمالاً ومصالح أخرى.
(1) ص 43-44 مع المخطوطات.