يقول كراتشكوفسكي (وهنا تسمع في هدوء حفيف أوراق الكتب والمخطوطات على المناضد وهنا أيضاً رويداً رويداً، وخطوة خطوة، وسطراً سطراً، يخلق العمل العلمي، الذي تخرج نتائجه من بين هذه الجدران العالية إلى تلك الشوارع المضطربة خارج جدران هذه المكتبة لتنشرها صفحات الجرائد والمجلات في كل البقاع، ولتستقر هذه النتائج أيضاً في بطون الكتب على رفوف هذه المكتبة العامة)(1)، إن المستعرب كراتشكوفسكي يدرك أهمية دوره في تكوين الوعي العام الروسي عن الشعوب الأخرى، وعن الشرق العربي الإسلامي، فنتائج أبحاث المستعربين لن تأخذ طابعها الأكاديمي فقط، وإنما سيكون لها دوراً تاريخياً فعالاً في تكوين الفكرة عن الآخر والتعامل معه، لأن نتائج بحوث المستعربين سوف تخرج إلى الشارع الروسي وتكون في متناول جميع القراء من خلال الصحف والمجلات. وهنا يبرز الدور الإنساني للبحث الاستعرابي وضرورة موضوعيته في تقديم الآخر لأبناء بلده وللإنسانية، وبالتالي سيكون للاستعراب دوراً مهماً في التعامل الإنساني بين الشعوب، ومن جهة ثانية فإن هذه النتائج للبحوث الاستعرابية ليست آنية التأثير، وإنما سوف تورث للأجيال وسوف تكون جزءاً من الأدب الفكري الإنساني يتداولونها جيلاً بعد جيل. يتم تداولها، إن هذه الأبحاث سوف تستقر في بطون الكتب، على رفوف المكتبات، وسوف تكون من العوامل المؤسسة لثقافة المستعرب أو الباحث أو القارئ العادي القادم. فالمستعرب إما أن يُوَرُث الصورة السلبية المشوهة، وإما أن يقدم الصورة الحقيقية من خلال موضوعية أبحاثه، وبالتالي سوف تمنح هذه الأبحاث العلمية علاقات الشعوب طابعها الإنساني الحقيقي البعيد عن التشويه والتزييف المتعمد، بهدف إظهار التفوق لشعب على آخر وبالتالي تبرير السيطرة عليه كما فعل الاستشراق الغربي إلى حد كبير.
(1) ص18 مع المخطوطات.