إذن، إذا كانت معرفة العالم العربي الإسلامي قد تمت بدافع كنسي في أوروبة الغربية وأحدثت معاهد الاستشراق بناء على قرار كنسي، باعتبار أن الإسلام يمثل خطراً أو تحدياً للآخر، المسيحي الغربي، بحيث بات (ضرورياً التعرف على الإسلام بشكل واقعي، وماكان ذلك سهلاً، هكذا نشأت مسألة تاريخية ماكانت معالجتها ممكنة بغير معرفة لغوية وثقافية واسعة لم تكن متاحة بادئ ذي بدء)(1). فإنه لم تكن هناك مواجهة حقيقية تحمل هذا الطابع، طابع العداء والتحدي بين الكنيسة الشرقية في روسيا وبين الإسلام، لم يكن هناك إحساس بالخطر من الإسلام، فقد كانت بلاد وسط آسيا المسلمة تقع ضمن روسيا القيصرية، وبالتالي فقد درس الاستعراب الروسي الثقافة الإسلامية على أنها جزء من تراثهم وتعامل مع الواقع الإسلامي ككيان اجتماعي وواقع إنساني قائم، وبالتالي لم يتم الحديث عن عالم شرقي إسلامي غرائبي، لقد كان هذا الشرق الإسلامي مجاوراً وتم التعايش والاحتكاك معه والإفادة منه. وبالتالي فإن الإسلام مثل عنصراً تنافسياً وليس عدائياً للمسيحية الأرثوذكسية في روسيا، وهذا مختلف تماماً عن الموقف الذي صدر عن الكنيسة الأوروبية الغربية تجاه الإسلام والذي جاء بالحملات الصليبية، لقد تعايش الإسلام والمسيحية جنباً إلى جنب في روسيا، وبالتالي فإن نشأة الاستعراب الروسي لم تتم في حضن العداء الديني ولا من ضرورة دراسة الإسلام كعدو قائم يمثل خطراً واجتياحاً، ومن ثم لم يكن ضرورياً إنشاء صورة الشرق العربي الإسلامي كعدو كما هو الحال في الاستشراق الأوروبي، وإن كانت بعض المعلومات التي كانت ترد من خلال الرحالة والتجار لا تخلو من بعض الأسطرة للشرق العربي المسلم.
(1) ص 37 صورة الإسلام في أوروبة وسوذرن.