طريق [و] عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر، فسترها عليه ولم يخبره بها مخافة أن يخجل. ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواة فقال له: أجزل الله (1) لك الثواب، وأكرم لك المآب، ولا ناقشك الحساب. فهذا العبد لا يختم له إلا بخير بدعاء ذلك المؤمن.
فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعة الله، فلم يأت عليه سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم جماعة ذلك الرجل آخرهم واستشهد فيهم.
فعظم الله تعالى البركة من البلاد بدعاء الرضا (رضوان الله عليه).
وقد كان للمأمون من يريد أن يكون ولي عهده دون الرضا، وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا (عليه السلام)، فقال للمأمون بعض أولئك: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي [(عليه السلام)] اعتب على نفسك وأهلك، جئت بهذا الساحر من ولد السحرة وقد كان خاملا فأظهرته ووضيعا فرفعته ومنسيا فذكرت به ومستخفا به فنوهت به، قد ملأ الدنيا مخرقة وتشرفا (2) بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يخرج هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي، بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتوثب على مملكتك، هل جنا أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك؟!!
فقال المأمون: قد كان هذا الرجل مستترا عنا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه إلينا، ولنعرف ما يخالفه والملك لنا، وليعتقد فيه المعترفون به أنه ليس مما ادعى (3) في قليل ولا كثير، وأن هذا الأمر لنا من دونه، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده، ويأتي علينا ما لا نطيقه، والآن وإذ قد فعلنا به ما قد فعلنا، وأخطأنا في أمره ما أخطأنا وأشرفنا من الهلاك- بالتنويه به- على ما أشرفنا (4) فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلا