المحاضرة رقم: (3)
بسم الله الرحمن الرحيم
درس اليوم إن شاء الله تعالى يتعلق بالحديث، أنا كنت وعدت في الأسبوع الماضي أن يكون الحديث في هذا الدرس عن المصطلحات الواردة في كتاب العلل، وقد بدا لي قبل قضية المصطلحات أن أتكلم على قضية قواعد النقد عموماً في كتاب علل ابن أبي حاتم، وأود التركيز على نقطة معينة أرجو الانتباه لها تتعلق هذه النقطة بشيء واحد –مثل ما نقول: السهل الممتنع- بمعنى أنه سهل لكنه أيضاً يحتاج إلى مجاهدة ويحتاج إلى انتباه.
الذي أود الحديث عنه الآن هو قضية العقل، الفكر الذي يحمله القارئ في كتاب علل ابن أبي حاتم، لابد -ما فيه خيار آخر- أن يكون القارئ في علل ابن أبي حاتم إذا أراد الاستفادة من هذا الكتاب أن يكون وفق العقلية التي وضعها عليها مؤلف هذا الكتاب.
متى خرجت عن هذا الفكر وهذا المنهج وهذه العقلية انتهى الأمر، معناه أنك سيكون هذا الكتاب ثقل عليك، وستكون أنت أيضاً ثقل عليه لأنكما لا تلتقيان، من الخطوة الأولى إما أن تمضيا معاً وإما أن تفترقان، ما فيه خيار ثان أبداً، يستحيل، لماذا يستحيل؟ لأن كل علم وكل صنعة تأخذها سواء كانت علمية شرعية لغوية مادية أدبية في الحياة كلها تأخذها وفق منظورك ووفق المنهج الذي تربيت عليه أياً كان، إن كان هذا المنهج مخطئاً فالنتائج ستكون خطأ، وإن وفقت للصواب فإن شاء الله تعالى النتائج –لا نقول: كلها- أحرى أن تكون صواباً.
العقلية التي ينطلق منها أبو حاتم وأبو زرعة هي العقلية أو الفكر أو المنهج أو الطريقة أياً ما كان سميتها التي كان عليها النقد في عصر النقد من قبل أئمة النقد، وكان أئمة النقد يطرحون هذا المنهج ويعالجون به الأحاديث، وفي ذلك الوقت وُجِد في عصرهم من يستنكر عليهم منهجهم، يقول لأبي حاتم: من أين لك أن فلانا أخطأ؟ ومن أين لك أن فلاناً أصاب؟ ومن أين لك ... ؟ وكلام كثير يأتي لأئمة النقد ممن لا يعرف أو لم يتمعن في منهجهم.
منهج أئمة النقد رحمهم الله ميزته أنه فطري عقلي، ما يُتعلم، مأخوذ من الفطرة، مأخوذ من العقل الذي أودعه الله في الإنسان. وهذا المنهج أو هذه الطريقة يعرف أحياناً بالمنهج التاريخي، بمنهج المحدثين، كما مر بنا قبل فترة، أول من طبقه هم الصحابة دون أن يكون عندهم قواعد، دون أن يكون عندهم مؤلفات في هذا العلم، دون أن يكون عندهم مثلاً: إذا اختلف اثنان أو إذا اختلف ثلاثة نكون مع اثنين منهم أو إذا اختلف كذا نكون كذا، أو إذا لم يكن في كتاب. ما عندهم الأشياء هذه، هم فطرة نقدوا المرويات، نقدوا كل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عصرهم إذا شك الصحابي فيه توقف فيه، تارة يناقش الناقل