@HAD04 بين فئتين من المسلمين (1)@HAD02 .
@HAD0158 فكان كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعاه ورعه وكرمه وفضله وحلمه إلى أن ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله حين صارت الخلافة إليه؛ خوفا من الفتنة وكراهة لإراقة دماء المسلمين، وأصلح الله به بين أهل العراق وأهل الشام، وكان قد بايعه أكثر من أربعين ألفا الذين كانوا قد بايعوا أباه عليا (رضى الله عنه) على الموت فبقي خليفة على العراق سبعة أشهر، ثم سار إلى معاوية بمن معه وسار معاوية إليه فلما تراءى الجمعان في موضع يقال له مسكن بناحية الأنبار علم أنه لن تغلب إحدى الفئتين حتى تذهب أكثر الأخرى، فتورع عن القتال وصالح معاوية وترك الأمر له على أشياء اشترطها عليه، وعلى أن يكون الأمر له من بعد موت معاوية وأعطاه ما سأل وزاده أضعافه، فلما صالحه على ذلك قال أصحاب الحسن (رضى الله عنه): يا عار المؤمنين! فقال الحسن (رضى الله عنه): العار خير من النار (2)@HAD057 ، ورجع إلى الكوفة، فجاءه شيخ كبير يقال له أبو عامر فسلم عليه فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال الحسن (رضى الله عنه): إني لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك، ولم أحب أن ألي أمر أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) على أن يهراق في ذلك محجمة دم (3)@HAD022 فبايع الناس حينئذ معاوية في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وكان ذلك العام يسمى عام الجماعة لاجتماعهم على إمام واحد (4)
. ففي هذا الحديث دليل على أن واحدا من الفريقين لم يخرج بما كان معه في تلك الفتنة من قول أو فعل عن ملة الإسلام؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) جعلهم كلهم مسلمين مع كون إحدى الطائفتين مصيبة والأخرى مخطئة، وهكذا سبيل كل متأول فيما يتعاطاه من رأي أو مذهب إذا كان له فيما يناوله شبهة وإن كان مخطئا في ذلك، ولأجل هذا اتفقوا على قبول شهادة أهل البغي ونفوذ قضاء قاضيهم، واختار السلف ترك الكلام في الفتنة الأولى وقالوا: تلك دماء طهر الله تعالى عنها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا.