تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن "ما" تكون على ضربين اسما، وحرفا، فإذا كانت اسما، فلها أربعة مواضع: تكون استفهاما كقولك: "ما عندك"؟ وكقوله تعالى: ﴿وما رب العالمين﴾ (¬1) وتكون خبرا كقوله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾ (¬2). وتكون موصولة، نحو قوله سبحانه: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ (¬3). وتكون نكرة موصوفة، كقوله تعالى في أحد الوجهين: ﴿هذا ما لدي عتيد﴾ (¬4).

وإذا كانت حرفا، فلها خمسة مواضع: تكون نافية على ما شرح من أمرها، وتكون كافة، نحو: "إنما"، و"كأنما"، فإن "ما" كفت هذه الحروف عن العمل، وصرفت معناها إلى الابتداء، قال الله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ (¬5).

الثالث: أن تكون مهيئة، نحو "حيث ما" و"إذما" و"ربما"، هيأت "ما" "حيث" و"إذ" للجزاء، وهيأت "رب" لأن تليها الأفعال بعد أن لم تكن كذلك.

الرابع: أن تكون مع الفعل في تأويل المصدر، وهذا مذهب سيبويه (¬6) فيها، كأنه يعتقد أنها حرف ك "أن"، إلا أنها لا تعمل عمل "أن"، والفرق بينهما عنده أن "أن" مختصة بالأفعال لا يليها غيرها، و"ما"، إذا كانت مصدرية، فإنه يليها الفعل والاسم، فالفعل قولك: "يعجبني ما تصنع"، أي: يعجبني صنيعك، والاسم قولك: "يعجبني ما أنت صانع"، أي: صنيعك. وكل حرف يليه الاسم مرة والفعل أخرى، فإنه لا يعمل في واحد منهما. فكان الأخفش لا يجيز أن تكون "ما" إلا اسما، وإذا كانت كذلك؛ فإن كانت معرفة، فهي بمنزلة "الذي"، والفعل في صلتها كما يكون في صلة "الذي"، وإن كانت نكرة، فهي في تقدير شيء، ويكون ما بعدها صفة لها، ويرتفع ما بعدها كما يرتفع إذا كانت صفة لشيء، ولا تكون حرفا عنده.

الخامس: أن تكون صلة مؤكدة لا تفيد إلا تمكين المعنى وتوفيره بتكثير اللفظ، وذلك نحو قولك: "غضبت من غير ما جرم"، أي: من غير جرم. ومنه قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ (¬7) ف "ما" زائدة، والمعنى: فبرحمة من الله، والجار والمجرور متعلق ب "لنت". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ (¬8)، و"ما" لغو مؤكدة، ومثله ﴿مثلا ما بعوضة﴾ (¬9) ف "بعوضة" منتصب على البدل من "مثل"، و"ما" مؤكدة، فاعرفه.

شرح المفصل لابن يعيش · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح المفصل لابن يعيشج ٥ · ص ٣٢