قال الشارح: اعلم أن عدد المؤنث من ثلاثة إلى عشرة بغير هاء، كقولك: "ثلاث نسوة"، و"أربع جوار"، و"عشر ليال"، وعدد المذكر بالهاء، نحو: "خمسة أبيات"، و"سبعة دراهم"، و"عشرة دنانير". وهذا عكس القاعدة؛ لأن القاعدة إثبات العلامة مع المؤنث، وحذفها مع المذكر. وإنما كان الأمر في العدد على ما ذكر للفرق بين المذكر والمؤنث. وإنما اختص المذكر بالتاء؛ لأن أصل العدد قبل تعليقه على معدوده أن يكون مؤنثا بالتاء من نحو "ثلاثة"، و"أربعة"، ونحوهما من أسماء العدد، فإذا أردت تعليقه على معدود هو أصل وفرع؛ جعل الأصل للأصل، فأثبتت العلامة؛ والفرع للفرع، فأسقطت العلامة. فمن أجل هذا قلت: "ثلاثة رجال"، وأربع نسوة. قال الله تعالى: ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام﴾ (¬1)، وقال: ﴿في أربعة أيام سواء﴾ (¬2)، وقال: ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ (¬3)، وقال الله تعالى: ﴿على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك﴾ (¬4).
والاعتبار في التذكير والتأنيث بالواحد، فإذا أضيف إلى ما واحده مذكر، ألحق فيه الهاء، نحو: "ثمانية أيام"؛ لأن الواحد "يوم"، وهو مذكر، وإن أضيف إلى ما واحده مؤنث، أسقط منه الهاء، نحو: "ثماني حجج" لأن الواحد "حجة"، وهو مؤنث، وقيل: لما أريد الفرق بين المذكر والمؤنث، وكان المذكر أخف من المؤنث، أسقطوا الهاء من المؤنث ليعتدلا.
وإنما كان أصل العدد التأنيث للمبالغة بالإشعار بقوة التضعيف، وذلك لأنه لا شيء فيه من قوة التضعيف ما في العدد فيما يظهر للعقل، فأشعر بالعلامة أن له المنزلة هذه، وجرت علامة التأنيث في العدد مجراها في مثل "علامة"، و"نسابة"، للإشعار بقوة المبالغة في الصفة، وتضاعفها في المعنى. وقيل: إنما كان أصل العدد التأنيث من قبل أن كل اسم لا يخلو مسماه من أن يكون عاقلا أو غير عاقل، ومسمى قولنا: "ثلاثة"، و"أربعة" ونحوهما من الأعداد إنما هو شيء في الذهن مجهول، فصار بمنزلة ما لا يعقل، والإخبار عن جماعة ما لا يعقل كالإخبار عن المؤنث المفرد، فلذلك أنث.
وأما "واحد" و"اثنان"، فقد اعتمد فيهما قاعدة القياس، فألحقتا علامة التأنيث إذا وقعتا على مؤنث، وأسقطت مع المذكر، فتقول: "واحد" في المذكر، و"واحدة" في المؤنث، و"اثنان" في المذكر، و"اثنتان" في المؤنث، وإن شئت: "ثنتان". فمن قال: "اثنتان"، كانت التاء فيه للتأنيث بمنزلة "ابنتان". ومن قال: "ثنتان"، كانت التاء فيه للإلحاق، كأنه تثنية "ثنت"، ملحق ب"جذع"، فهو ك"بنتين". وإنما كان كذلك؛ لأنه