تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# على ما لا يعقل، وعلى صفات من يعقل، وربما اتسعوا فيها وأوقعوها على ذواتهم على ما ذكرناه، اجترؤوا على ألفها تارة بالقلب، وتارة بالحذف.

فأما القلب، ففى الاستفهامية، وذلك قولهم: "مه"، والمراد: ما الأمر؟ أو ما الخبر؟ فقلبوا الألف هاء؛ لأنها من مخرجها، وتجانسها في الخفاء، إلا أنها أبين منها. قال الراجز [من الرجز]:

قد وردت من أمكنه

من ههنا ومن هنه

إن لم أروها فمة (¬1)

قوله: "فمه"، أي: فما أصنع؟ أو فما قدرتي؟ ونحو ذلك حديث أبي ذؤيب: قدمت المدينة إلخ، والمراد: ما الخبر؟ أو ما الأمر؟ فقلبوا الألف هاء، وحذفوا الخبر لدلالة الحال عليه. وأبو ذؤيب هذا هو الشاعر، كاد مسلما على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يره، وكان جاهليا إسلاميا. واسمه خويلد بن خالد بن محرب. وهذا الحديث رواه ابن يسار يرفعه إلى أبي ذؤيب أنه قال: بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليل، فاستشعرت حزنا، فبت بأطول ليلة، لا ينجاب ديجورها, ولا يطلع نورها، وظللت أقاسي طولها, حتى إذا كان قريب السحر، أغفيت، فهتف بي هاتف، وهو يقول [من الكامل]:

خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومقعد الآطام

قبض النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام

قال أبو ذؤيب: فوثبت من نومي فزعا، فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فتفألت به ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قبض، وهو ميت من علته. فركبت ناقتي، وسرت، فلما أصبحت، طلبت شيئا أزجر به، فعن لي شيهم، يعني: القنفذ، وقد قبض على صل، يعني: الحية، فهي تلتوي، والشيهم يعضها، حتى أكلها. فزجرت ذلك، فقلت: شيهم شيء مهم، والتواء الأصل التواء الناس على القائم بعد رسول الله. ثم أولت أكل الشيهم غلبة القائم بعده على الأرض. فحثثت ناقتي، حتى إذا كنت بالغابة، زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته. ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي، وقدمت المدينة، ولهم ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: "مه"؟ قالوا: "قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". فجئت إلى المسجد، فوجدته خاليا، فأتيت بيت رسول الله، فوجدت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجي، وقد خلا به أهله. فقلت: "أين الناس"؟ فقالوا في سقيفة بني ساعدة، صاروا

شرح المفصل لابن يعيش · الجزء ٢ · الصفحة ٤٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح المفصل لابن يعيشج ٢ · ص ٤٠٧