قتل هداج كبير أعراب إفريقية لدخوله المسجد بالنعل]
قلت: هداج هذا قتله العامة بتونس أثر صلاة الجمعة سنة خمس وسبعمائة, وجروا شلوه في سكك المدينة. وكان هداج بن عبيد هذا من رؤساء الكعوب وشيوخهم, وكان سلطان افريقية إذ ذاك ربي ولي الله الشيخ الصالح أبي محمد المرجاني الأمير أبي عصيدة محمد بن المخلوع يحيى بن أبي عبد الله المستنصر بن أبي زكرياء بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص. وكان أبو عصيدة هذا ولد في زاوية الشيخ أبي محمد المذكور فسماه محمدا وعق وأطعم الفقراء يومئذ عصيدة الحنطة فلقب بأبي عصيدة لذلك آخر الدهر, قاله ابن خلدون.
[إدخال الأنعلة غير مستورة إلى المسجد]
وسأل الشيخ الصالح أبو علي القروي الشيخ الفقيه الصالح أبا الحسن عن إدخال الأنعلة للمسجد غير مستورة, فقال: يا سيدي ألم تخبرني أن سيدي أبا محمد الزواوي رآك وضعت نعلك غير مستورة بإزاء سارية, فقال لك: انتم الرهط يقتدى بكم فلا تفعلوا؟ فكان القروي بعد ذلك يقول حدثني المنتصر أن الزواوي كرهه. قال بعضهم: وقع بحث بين بعض الفضلاء في مسألة, وهي ان بعضهم دخل المسجد فوضع نعله أمم قبلته, فأحرم في الصلاة فانكر عليه صاحبه وقال: لا تعمل النعل في القبلة فإنه مكروه أو لا يجوز, فأجاب الآخر فقال: هذا باطل لقول المدونة: لا بأس بالصلاة وبين يديه جدار مرحاض, فأجاب المنكر بأن قال: هذا الاستدلال
[
فيه , إلا قول " أبى عمر " : رخص قوم في أكل دود التين وسوس الفول الطعام
وفراخ النحل لعدم النجاسة فيه , وكرهه جماعه ومنعوا أكله انتهى .
قلت : وهذا لا يوجد في المذهب, وقول التلقين : وما لا نفس له سائله
كالعقرب هو كدواب البحر لا ينجس ما مات فيه, وكذلك ذباب العسل ,
والباقلا ودود النحل يدل على مساواته لسائر الحشائش والله اعلم .
من أكل ثمره فوجد دوده حيه
وسئل " اللخمى " عمن أكل ثمره فوجد فيها دوده حيه, فهل يبتلعها أو
يلقيها؟ وكيف ان ابتلعها بعد العلم بذلك, هل ابتلع طاهرا أو نجسا فيوتم ؟
ومثله دوده النحل وشبهه.
فاجاب تقدم الكلام على دود الثمر والعسل انه ليس بحرام.
من رفع يده قبل اتمام الذكاه ثم أتمها
وسئل " عبد الحميد الصائغ " عمن إذا أمر السكين على جلد الشاه
فتضطرب فيصبر ساعة من غير اتمام الذكاه ولا رفع يده ثم يتمادى على
ذكاتها , فهل يكره ويؤثر فيها شيئا أم لا ؟ وما مذهبك في جواز الغلصمه إلى
البدن؟
فاجاب الصواب امرار اليد من غير تراخ , ويؤكل ما قطع أوداجه ,
لأنه لا يعيش في العادة من قطعت أوداجه , أعنى لا تطول حياته.
[24/2]
[25/2]
أجاب " ابن محرز " : الذي يذكى فيغلب على تمام التذكية أو يرى انه قد
تم ثم تبين انه لم يتم, فان رجع بالفور فأتم ذكاته أكلت, وان تباعد
لم تؤكل. فان قطع من الحلقوم والأوداج الأقل والذي بقى الأكثر, فلا خلاف
انه لا يؤكل إذا تباعد. وان كان الباقي هو الأقل ففيها اختلاف العلماء.
وعندنا لا يؤكل إلا بتمام الذبح وهو قطع الأوداج والحلقوم .
أجاب أيضا إذا رفع يده ليختبر ثم ردها بالقرب أو للوقت فأنها
تؤكل , وانما يعتبر الطول والقرب لا قطع الأوداج والحلقوم . وأما الذي مر في
القطع ثم استرد قبل رفع يده فأتم فلا يضره وتؤكل الذبيحة .
أكيله السبع ومنفوذه المقاتل
وسئل وقيل له أجاب بعض الشيوخ عما يأخذ السبع من الغنم فيشق
=فأجاب : ليس للزوجة أن تسقط عن زوجها حكم الطوع ولا ينتفع الزوج به إن فعلت ؛ لأن حق الولد قد تعلق بالطوع ، فليس لأمهم إسقاطه وإن كانت وصيا عليهم ؛ لأن ولي المحجور لا يفوت عليه مالا بغير عوض ، وقد نص ابن رشد في النوازل على أن المرأة ليس لها أن تسقط عن زوجها من الشروط إلا ما لا يتعلق به حق لغيرها ، كما إذا جعل لها أن تطلق نفسها إن تزوج عليها ، أو يكون طلاق المتزوجة بيدها ، في هذا وشبهه ينتفع الزوج بإسقاطها الشرط ، أما إذا تعلق بالشرط حق لغيرها فلا ، كما إذا كان الشرط[22/3]أن الداخلة عليها بنكاح طالق فهذا لا تسقط الزوجة حكمه ؛ لأنه قد تعلق به حق الله تعالى .
[من يلتزم بالإنفاق على ربيبه على أن يستغل ماله]
*وسئل عن الذي يلتزم لزوجته نفقة أولادها على أن يستغل ما يكون لأولادها من المال مدة الزوجية .
=فأجاب : الأصل فيها المنع لما فيها من الأوجه الفاسدة التي لا تخفى على أهل العلم ، وقد نص في المدونة على منع مسألة من يدفع دارا على أن ينفق عليه حياته ، إلا أن المتأخرين من الموثقين جرت عادتهم بالتخفيف في ذلك إذا كان فائد المال المستغل يسيرا ، بحيث يرى أن الغرض المقصود إنما هو التبرع بالنفقة على وجه الإحسان للزوجة ، ويكون فائد المال لا يبلغ إلا بعض النفقة ، ولذلك يعقدون في وثيقتها ما نصه : على أن يستعين الملتزم المتقدم في ذلك بفائد . ما للأولاد من المال التافه وهو كذا ، ووجه التخفيف في مثل هذا أن الملتزم للنفقة تبرع بها ، فكأنه إنما تبرع بما تزيد النفقة على فائد المال إذا كانت الزيادة ظاهرة بينة ، أما إذا كان المقصود : المكايسة والانتفاع من الجهتين فلا خفاء بالمنع .
[من تطوع بتحريم من يتزوج على زوجته]
وسئل ابن أبي زيد عن الرجل يريد سفرا يقيم فيه سنتين، فأخبر زوجته وقال: إن رضيت المقام فلا نفقة في غيبتي هذه المرة وإلا طلقتك، فرضيت، فلما غاب قامت بالنفقة.
فأجاب: ما هذا عندي إلا يلزمها كما لو كان حاضرا وأسقطت عنه نفقتها سنة أو سنتين لم يكن لها رجوع عندي، وإنما الذي يقام عليه لو ضمنت له نفقة ولده الصغير سنتين وقد فارقها وتبرعت بذلك وهي عديمة أو كانت ملية وأعدمت فهذا يقال له: أنفق عليها ولك عليها الرجوع بما أنفقت عليها.
[للمرأة النفقة على الزوج في أيام الخصام إن دافعها بالباطل]
وسئل اللخمي رحمه الله عن امرأة دعت للزوجها للدخول وأنكر النكاح فأثبتته عليه، هل لها عليه نفقة في أيام الخصام أم لا نفقة لها؟
فأجاب: لا نفقة لها عليه إن كانت ذلك الزوج بتأويل وشبهة، وأما إن كان دافعها بباطل فواضح أنه كالغاصب فلها النفقة فيها.
[إذا امتنعت الأم من إرضاع ابنها وغذاه أبوه بلبن ماعزة فمات، فهل تعاقب الأم؟]
وسئل سيدي أبو الحسن الصغير عن امرأة تركت ولدا رضيعا
[22/4]
[23/4]
ابن شهرين أو نحوهما عند أبيه، فبقي عنده أياما يغذيه بلبن المعزة، ثم خاف عليه فأرسله إليها فامتنعت من أخذه فرده فبقي يعانيه بلبن المعزة نحو عشرة أيام فامت، هل على الزوجة فيه شيء أم لا؟
فأجاب: إن كان لا يجد من يرضعه بأجرة أو بغير أجرة ولم يقبل لبن المعزة بحيث ينوب له عن لبن مرضعة وامتنعت الأم من إرضاعه، فقال صاحب المنهاج: تتخرج على مسألة حريم البير من المدونة إذا منع العطاش من الشراب حتى هلكوا فماتوا فديتهم على عواقل المانعين، قالوا: يريد إذا اعتقدوا أن لهم ذلك، وأما لو اعتقدوا أنه لا يجوز لهم ذلك وأنهم يموتون بالعطش قطعا فالقصاص، فتأمله، فينظر في هذا إن كان لم يجد من يرضعه على الوجه المذور ولم يقبل لبن المعزة بحيث يغه فتخرج عليها.
[إذا اختلف الرجل ومطلقته في دفع أجرة الرضاع فالقول قوله فيما بعد من الشهور]
ففي هذه وأشباهه عظة لهذا الرجل، فإن الذي كان ينبغي له ويليق به أن يبين وجه الصواب مما قال، ويستدل على صحة ما ادعاه، وأما ما أتى به من الأسجاع الرديئة فإن كان لم يرها قبيحة في حق نفسه فإنها قبيحة وعدم صدق الطريقة التي انتسب إليها فإنه من أقامه الله مقام الاقتداء، وانتسب للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وجعل في رتبة الإمامة، وحل محل من ترجى شفاعته يوم القيامة، فيجب عليه أن يتأدب بأدب الشرع ويقتدي بأهله. ولا يضع الشيء في غير محله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: « أنزلوا الناس منازلهم » (¬1) وروي أن مالكا رضي الله عنه كانت أمه ترسله وهو صغير إلى حلقة ربيعة وتقول له: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل أن تتعلم من علمه، وروي عن ربيعة أنه قال: لا تعلموا العلم سفهاءكم فيصرفوا أخلاقهم فيه.
فمن أقامه الله تعالى في تعليم العلم وبثه للناس والفتيا به واسطة بين الرب وعباده فيجب عليه أن يشكر مولاه على ما أقامه فيه، ويسأل من ربه
[22/5]
التوفيق والتسديد، ويفكر في جوابه إذا وقف عند ربه ويسأله عن كل مسألة أفتى فيها وفيما يكون خلاصه.
والبحث في المسائل من أحسن العمل إذا صحت النية، وكان على طرقة الناس والعلماء، فإن تبين الحق وجب الرجوع إليه، وإن وقع اختلاف ولكل واحد من الناظرين وجه صحيح ارتفعت المسألة خلافية كما كانت العلماء العاملون.
والبحث في المسائل الفقهية وإجراؤها على الأصول الصحيحة مع صحة النية من أفضل العبادات وأقرب القربات وأعظم الوسائل إلى الله، فإن اتعظ هذا الإنسان وانتهى عن حاله وشاور فيما يشكل عليه وبحث وناظر على طريقة الطلبة والعلماء فحسن، وإن عاد لحاله رفعت أمره وبينت حاله في هذا وفيما صدر منه قبل عند من يجب فقد قيل: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن.
فبعد أن كان ذلك، جمع الأمي بعض الطلبة وبعض الفقهاء، وتكلموا في المسألة، وأبدى من كان بداية هذا الأمر على يديه حجته، وقواها بأنظار ظهرت للحاضرين في الحال، ومن يعتمد عليه من الفقهاء الحاضرين لم يكن لهم معرفة بما اعتمد عليه الفقيه الناظر في العهد المذكور، ووافقوهم موافقة حالية على أن الأمانة تصرف من رأس المال، فطلبهم الأمير أن يضعوا خطوطهم في رسم بما اتفقوا عليه، ففعلوا، وبعد ذلك بعث الأمير الرسم المشار إليه الفقيه المفتي الناظر في الثلث المذكور وقال له: هل لك فيها مدفع؟ فتصفحه وقال له: عندي ما يناقض هذا الأمر كله، فإن أذن بالكتب فيها فأنا أكتب، فبلغ ذلك الأمير فقال: أنا آخذ ومن يستظهر بحجة شرعية توجب الرد فأنا أرد. فبعث من وثق به من
[23/6]
خدامه إلى دار العاهد المذكور وأخذ من سلعه التي لم تقسم ما قيمة المائة والخمسين ذهبا المذكورة، واعتمد على فتوى هؤلاء، فرأى السيد الفقيه أن قيد هذا التقييد الذي يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وأراد أن يطلع عليه الشيوخ والأيمة المحققين لينصروا الحق حيث ما ظهر لهم. والله هو المسؤول أن يحق الحق، ويبطل الباطل.
فقال مستعينا بالله: بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. الحمد لله الذي لا نعبد سواه ولا نستخير في الأمور إلا إياه، وأستجير به ممن يكون ممن اتبع هواه، وجعل الجهل متقلبه ومثواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلاة دائمة نجدها يوم نلقاه. وبعد فقد رغب مني من لا تسعي مخالفته، وتتعين علي إجابته، أن أتصفح المكتوب الذي انعقد فيه شهادة الأصحاب، في شأن المائة والخمسين ذهبا التي اعترف بها أبو الحسن علي بن سيعد بن جرنيط لبعض المجاهيل في رسم، وأن أذكر ما عندي في شأن مضمنه.
22/7] ولده, أو بني فلان فإنه يوثر أهل الحاجة منهم السكنى والغلة, وأما الوصية فلا أحفظ قول مالك فيها, ولكني أراها بينهم بالسوية, قال سحنون: هذه المسألة أحسن من قوله فيمن أوصى لأخواله وأولادهم, فحمل سحنون كلام ابن القاسم على الوفاق, ولزمه ذلك بقوله, وأما الوصايا فإنها تقسم بينهم بالسواء, وإن جوابه في الولد أو ولد الولد, بخلاف جوابه في مسألة الأخوال, قال ابن يونس ليس ذلك منه تناقص ولا خلاف لما تقدم, وإنما تكلم في هذه المسألة على الفرق بين الحبس والوصية, فقال في الحبس يؤثر أهل الحاجة, لأن تلك سنته والوصايا يساوي بينهم فيما إذا حضر القسم, ولو يتكلم في هذه المسألة, هل يحرم من مات أو يعطى من ولد, قال ومذهب ابن القاسم جيز(¬1) مع موافقته لمالك. وقد حمل غيره من الأشياخ المسألة على ما حملها عليه سحنون وأنه حمل المسألتين على التعيين, وغن الحكم في المعين, أنه إذا مات بعد موت الموصي استحق وارثه نصيبه, وإن من ولد فلا شيء له, وهذا كله إذا قال ولد فلان,فهل يحمل على الموجود دون غيره, كما قال لهؤلاء العشرة وعينهم, أو هو لمن وجد ولمن يأتي من الولد. وأما مسألتكم فلا يخالف فيها سحنون لأنه قال: ولمن يولد فدل على أنه لم يرد الموجود وحده, وغنما رأى حمله متى ذكر ما يدل على أنه أراد مجهول من يأتي, مثل أن يقول في وصيته مبسملا له, وذكر العقب فإن سحنون لا يخالف فيه, وكذا مسألتكم لقوله ولمن يولد فدل على أنه لم يرد الموجود وحده, وغنما أراد مجهول من يأتي.
ومن ذلك ما نقله ابن يونس في كتابه اثر مسألة المدونة المذكورة، وهو أنه قال في بئر السقي والطواحين إن استوت أو خربت قبل أن يصل الماء إلى انتفاع أحدهم، فكنسها على جميعهم، إذ لو لم يصح ذلك لم يصل الماء إلى واحد منهم. فإذا بلغ الكنس إلى الأول وتم له الانتفاع من غير ضرر يلحقه لو لم يكنس بقيتها ارتفع الكنس عن هذا وكنس الباقون. ثم إذا تم الانتفاع للثاني أيضا ارتفع عنه، وكذلك الثالث والرابع إلى آخرهم. ووجه الدليل من هذه المسألة من وجهين، أحدهما من جهة المنطوق، والآخر من جهة المفهوم. فأما الذي من جهة المنطوق هو أنه قال: إذا بلغ الماء إلى الأول وتم له الانتفاع من غير ضرر يلحقه ارتفع الكنس عنه، وكنس الثاني والثالث، ثم كذلك الباقون إلى آخرهم، وأما الذي من جهة المفهوم فهو أنه قال: يجب الكنس على الجميع، فإنه لو لم يكنس لم يصل الماء إلى واحد منهم، فدلت المسألة من منطوقها ومفهومها على أنه لا كنس على واحد من أرباب الدور، لأنه قد وصل إلى منفعته من ماء النهر المذكور تم له كذلك على التمام والكمال من غير ضرر يلحقهم لو لم يكنسوا. وإذا كان كذلك فالكنس على من طلبه من أرباب الجنات لسقي خضرهم وثمارهم، دون أرباب الدور الذين لا ضرر عليهم في ترك الكنس، وهذا واضح فاعلمه! وبالله التوفيق.
وهذه كلها نصوص بادية السبب واضحة الظهور تدل على أن لا شيء على أحد من أرباب الدور في كنس النهر المذكور وبالله التوفيق.
وها هنا أسئلة ترد على ما تقدم:
أحدها، فإن قيل إن كنس النهر المذكور لو لم يكن للزيادة في مائه كما زعمتم، بل إنما كان ذلك خوف امتلائه بما تحمله إليه السيول والأمطار
[23/8]
[24/8]ويبقى فيه من الأزبال والأقذار حتى يفيض على أرباب الديار، وإذا كان كذلك فلم قلتم إنه لا يجب الكنس على أرباب الديار في هذه الحالة؟
وأجاب ابن فرج: وليس ومن أيده الله بطاعته أحسن ما يفعله الناس اتباع السلف الصالح رحمهم الله ومن فعل فعلا لا يشبه فعل السلف الصالح فممنوع ومستحب أن يمنع منه فقد قال مالك بلغني أن أبا سلمة رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه فأنكر ذلك عليه وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود، فقيل له ما أراد بالتقليص؟ قال رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين، فهذا أبوسلمة ومالك فقد أنكرا ذلك عند المنبر بالنهار فكيف بمن يفعل ذلك بالليل؟ لو سمعنا ما يفعله سليمان لكانا له أشد إنكارا ولو دعا سليمان ربه في بيته أو في مسجده لكان أولى به وقال مالك أن تميما الداري قال لعمر رضي الله عنه دعني أدعو الله وأخلص وأذكر الناس قال عمر: لا فأعاد عليه فقال: أنت تريد أن تقول أنا تميم الداري فاعرفوني، هذا عمر ينهاه بالنهار فكيف بالليل؟ وقال مالك التقليص بدعة.
[جواب ثالث عنها]
وقد سئل ابن وهب عن المؤذن هل هو في سعة أن يؤذن في أي حين شاء من نصف الليل إلى آخره؟ قال لا يؤذن المؤذن إلا سحرا، قلت له وما السحر عندك؟ قال السدس الآخر من الليل فأمر بقراءة ما جاوبتك به على سليمان مأجورا وتقرب إلى الله تعالى بحملك له على الاتباع وترك ما لم يكن الناس عليه فإن سمع موعوظا وإلا فازجره ممنوعا متبعا بذلك للسلف الصالح والأئمة المهتدين رضي الله عنهم أجمعين آمين.
[25/9] ... ... ... ... [جواب رابع فيها]
فأجاب : حد الغيبة القريبة التي لا يحكم على الغائب إلا بعد الإعذار بأن يكتب إليه ، فإما أن يقدم وإما أن يوكل ، فإن لم يفعل حكم عليه ولم ترج له حجة ، الثلاثة الأيام ونحوها . وحد الغيبة التي يحكم فيها على الغائب فيما عدا الأصول على مذهب مالك ولا يعذر إليه وترجى له الحجة العشرة الأيام ونحوها . وابن الماجشون وسحنون يقولان إنه يحكم في هذه الغيبة على الغائب في جميع الأشياء من الأصول وغيرها ولا ترجى له حجة فينفذ عليه الحكم ، إلا أن ينكشف أن الشهود عبيد أو على غير الإسلام أو مولى عليهم ، فعلى قولهم إنه لا ترجى له حجة يوكل له وكيل يعذر إليه ويحتج عنه ، وعلى مذهب ابن القاسم ومن يرى أن ترجى له الحجة لا يوكل القاضي له وكيلا ، وهو الصواب ، إذ لا يعرف الموكل له حجة ، فالقضاء عليه وإرجاء الحجة له أحوط له . وهذا الذي ذكرناه من حد الغيبة القريبة والبعيدة معناه مع الأمن والطريق المسلوكة . وأما إذا لم تكن الطريق مسلوكة ولا مأمونة فيحكم على الغائب فيها وإن قربت غيبته وترجى له الحجة . ومن خلف البحر في الجواز القريب المأمون كالبر الواحد المتصل إلا في الأمد الذي يمتنع فيه ركوبه فيكون القريب فيه حكم البعد . وهذا الذي أقول به وأراه على منهاج مذهب مالك رحمه الله الذي نعتقد صحته . وبالله التوفيق .
[22/10] [إذا باع أصحاب المواريث شيئا على أنه لبيت المال وقام من يزعم
استحقاقه]
وسئل عن أصحاب المواريث إذا باعوا شيئا على أنه لبيت المال ، فقام من أثبت عند القاضي أن هذا المبيع هو لقريب القرابة منه ويقول إنه حي وحازه عند القاضي ، هل يفسخ القاضي البيع ويوقفه للعاصب ؟ أو يبقى عند المبتاع حتى يقدم الغائب ؟
فأجاب : لا يمكن القاضي القريب من المخاصمة عن قريبة الغائب فيما باعه صاحب المواريث من العقار دون وكالة ، وإنما يمكنه من إثبات حقه في ذلك والتحصين له بالإشهاد عليه مخافة أن تغيب البينة .
[
22/11] سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم والذكر والأنثى ومعني هذا لم يدخل تحت قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من عند الله كالقرآن فيكون حفظها كحفظ القرآن فيحصل به العلم إذا صحت كما يصح بالقرآن فقد احتج بذلك أصحاب أحمد على أن خبر الواحد يوجب العلم.
هو اختيار السمعاني وابن الصلاح ، ونص على مثله الشافعي في القبلة . وعند هذا إما أن يظهر الرجحان مطلقا ، أو يظهر من وجه دون آخر . فإن ظهر مطلقا بأن يكون أحد القائلين أعلم وأدين وجب الأخذ بقوله ، وإن لم يظهر الرجحان مطلقا فهذا مما أحال بعض محققي الأصوليين وجوده عرفا ، فإن فرض وقوعه خيرنا المستفتي فيهم ، وإن ظهر الرجحان من وجه ، فإن تساويا في الدين وتفاوتا في العلم فقال قوم يخير ، والحق الأخذ بقول الأعلم لأنه أغلب على الظن ، فإن تساووا في العلم وتفاوتوا في الدين وجب الأخذ بقول الأدين ، وإن كان أحدهما أعلم والآخر أدين فقالوا يرجح قول الأدين ، وقال الإمام فخر الدين والحق أن قول الأعلم أرجح لأن العلم هو الذي يطلع به على دلائل الأحكام دون الدين . وهذا كله مع تعدد القائلين ، وأما مع اتحاد القائل واختلاف القول فالعمل على المرجوع إليه دون المرجوع عنه إن علم التاريخ ، لأن المرجوع إليه ناسخ والمرجوع منه منسوخ ، وليس له أن يختار في هذا الفرض قولا يفتي به أو يحكم خلافا لعز الدين وظاهر الأجوبة ، وإن جهل التاريخ تساقطا ، وعلى قول عز الدين فالتخيير هنا أحرى وأولى . وهذا كله مع عدم اطلاع المقلد الصرف على أرجحية منصوصة ، وأما مع اطلاعه عليها فالواجب عليها لما عجز عن الترجيح بالأدلة الوقوف على ما رجحه اختيار الأيمة فإن اختلفوا في الترجيح ، وتباينوا في التقديم والتصحيح ، فالواجب عليه في كل وقت وحين ، الرجوع إلى صفات المرجحين ، فيقف مع تشهير الأعلم الأدين إن كان ، لظهور الرجحان ، ثم كذلك على ما مر في الترجيح بصفات القائلين والناقلين ، وبعلم الأعلم والأدين بظهور آثار الصلاح وإقبال الناس عليه ، وضده بآثار الفجور وإعراض الناس عنه .
وفي إقليد التقليد عن بعض الشيوخ أنه إذا اختلف الناس عن مالك
[22/12]
[23/12]