تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجاب بما نصه: الحمد لله إنه لا يخفى عليكم ما اشتهر من قول مالك. قال الأشياخ رحمة الله تعالى عليهم: والقياس يقتضي التسوية بين ما نسجوه وما لبسوه, وإنه لا يصلى في شيء من ذلك لأن شيئا من ذلك لا يخلو من النجاسة غالبا. وقيل لمالك في العتبية فيما نسجوه أنهم يبلون الغزل بأيديهم وهم أهل نجاسة, فقال: لا بأس به, لم يزل الناس على ذلك فسلم أن القياس كان الحكم بالنجاسة لغلبتها, وإنما لم يقل به لأجل أن عمل الناس مضى على خلاف ذلك. وقد اشتهر أتباعه للسلف الصالح رضوان الله عليه وعليهم. وحكى القاضي أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى عن ابن عبد الحكم أنه أجاز الصلاة فيما لبسه النصارى بناء على استصحاب أصل الطهارة, وتأوله القاضي بأن ذلك فيما لم يطل لبسه له. ورأيت كلاما منسوبا لأبي الحسن الأبياني يكون توجيها لهذا الخلاف, فإنه قال في الكتاب الذي ألفه في الورع: إذا كان الحل معلوما ولكن غلب على الظن طريان محرم بسبب معتبر في غلبة الظن, فيرتفع حكم الاستصحاب لضعفه ويقضى بالتحريم لغلبته. كما إذا غلب على الظن نجاسة إناء لعلامة معينة فلا يجوز

[

ما التصيد عندي في بحرها إلا كالاحتشاش والاحتطاب من شعاريها، لا يسع منه الانتفاع لغير من بها إلا بما لا ضرر عليهم فيه، ولا منفعة لهم في تركه، إذ ليس هو شيء تناله الأيدي كما ينال ما في البر من الاحتشاش والاحتطاب، وتفسير هذا الكلام: أن من يصيد في هذا البحر من سكان المنستير أنه يرد به سوقها، فمن أحب اشترى، وليس له أن يبخس البائع في الثمن، ولا يسعر له ثمن، إنما يباع بالقسم الذي قسمه الله في الوقت من غلاء أو رخص، وما فضل بعد شراء من بالمنستير لأكلهم صرفه صائده حيث شاء، ويبيعه ممن شاء.

وإذا كان هذا الصائد إنما يرد ما اصطاده من هذا البحر إلى هذا السوق، فلا يصلح لأحد أن يشتريه منه لا عند البحر ولا عند توجهه إلى السوق من التلقي، والتجار الذين يسكنون الحصون إنما هم رفق للسكان، فإذا أضروا بالساكن زال الرفق منهم، وزال سكناهم عن صفة الرباط وشروطه، وصاروا إلى التكسب كأهل الأسواق، فمنعوا من ذلك للضرر، ويجبرون إلا سكنى في الحصون لمن أضر بأهلها في وجه من الوجوه، ومن ورد على هذا المكان من التجار يريد الصيد فيه ليذهب به إلى سائر الأمكنة غير المنستير، فليس له أن يضر بمن يصيد في المنستير، فإذا أخذ أهل المنستير حاجتهم من ذلك لم يكن إن شاء الله على أولئك بأس فيما صادوه من هذا البحر إذا سلم من ضرر أهل المكان والتضييق عليهم، لأن صيد البحر ليس هو في البر حتى يصاد، وتركه لا منفعة فيه لمن يريد الاستعداد بإبقائه في ذلك المكان فلا وجه لمنع الناس من الانتفاع بما هذه منزلته الذي ظهر لي في البحر المنستير.

[ أكل الطيور التي ذبحها الصيادون ]

فإن قلت : قد يقال : إن فتنة النساء أكثر من فتنة الولد . قلت : نعم ، ولذا مال إلى ما تقل معه وهو الثيبات ؛ لأن تذكر السبق لهن يرغب عنهن فيقل جماعهن الناشئ عنه الولد ، ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحب واحدة منهن كحب عائشة رضي الله عنها وعن سائر الزوجات . وأيضا لو كثرت أولاده لكانت كثرتهم مظنة إن يعيش بعضهم بعده ، فيكون نبيئا على ما نقل البخاري من أنه لو عاش إبراهيم لكان نبيئا . وذكر مثله بعض المفسرين في قوله : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيئين ، لا نبيء بعده ، فناسب حسم الطريق إلى الولد والله أعلم .

[من تزوج من امرأة بشرط ألا يبني بها إلا بعد سنة]

*وسئل رحمه الله عمن تزوج امرأة على أنه لا يبني بها إلا إلى سنة ، فإن كان لتغربة بها لزم فإنه مشكل ؛ لأن هذا الشرط غير معلق على طلاق ولا عتاق ، وكل شرط كذلك لا يلزم ، ثم بعد مدة وجدت لابن رشد جواب هذا الإشكال ، إلا أنه ليس كذلك في الوضوح ، ولا رأيت من نبه على هذا النظر ممن تكلم على المدونة .

وسئل عمن اختلعت منه امرأته بكاليها وأسقطت مؤنة حمل إن ظهر بها وما تحتاج إليه ما تضعه من مؤنته إلى فطامه، فإذا فطمته كانت مخيرة في صرفه على ابيه أو في أن تقوم بجميع مؤنته إلى البلوغ طائعة بذلك متبرعة من غير ضرر، وأشهدت على نفسها بذلك عدولا من الشهود، ثم قامت على الزوج وأثبتت أنها عديمة، أيلزم الزوج النفقة على الحمل؟ أم لا تلزمه حتى تضع؟ وكيف إن كنت قد أشهدت على نفسها عند الخلع أنها متى أثبتت على نفسها أنها عديمة فذلك باطل، وأقرت أنها موفورة الحال، فبين لنا ما يجب فيذلك مأجورا.

فأجاب: إذا ثبت عدمها وعسرها لزم الزوج الإنفاق عليها ويتبعها بما أنفق عليها إذا أيسرت، وإن كانت قد أشهدت على نفسها بالوفرة وأن لا تقبل بينتها على العدم فلا تنتفع بمن شهد لها بالعدم حتى يشهدوا على معرفة ذهاب مالها وتلف حالها الذي أقرت به على نفسها.

[إذا وقع الخلع بأرض، هل يشمل ذلك شرب مائها؟ ]

وسئل رضي الله عنه بسؤال بعد عقد، نصهما: نسخة عقد مباراة: بارى فلان زوجته فلانة بعد بنائه بها بطلقة واحدة ملكت بها أمر نفسها على أن وضعت عنه جميع كاليها المكلي لها عليه في صداقها معه الذي لم ينعقد بينهما سواه، وصرفت إليه جميع ما ساقه إليها من الأصول الثابتة بموضع كذا على حسب ما كان ساقه إليها، حاشا الدار التي فوتتها بالبيع فإنها دفعت إليه خمسة وعشرين مثقالا ذهبا مرابطية مرسية الضرب، وقبضها منها وأبرأها فبرئت، شهد.

ونص السؤال: تصفح رضي الله عنك العقد الواقع على هذا الرسم فإنه

[4/4]

[5/4]

ثبت على نصه بأن الزوج المذكور ساق إليها في جملة ما ساق إليها شرب ماء، ويذهب الآن إلى أخذه وتأبى الزوجة من دفعه، وتزعم أنها إنما صالحته على العقار والأرضين، فأفتنا رضي الله عنك القول قول من؟ وهل قول العاقد الأصول الثابتة يدخل فيه الماء أم لا؟ بين لنا رضي الله عنك وجه الحكم في هذه النازلة.

وأما الثانية، وهي نسخة ابن راشد فمقتضاها منع بيع كل ثمرة استترت في أكمامها نحو الجوز واللوز والفول وما لم يكن له صوان، فيجوز بيعه، فإن قيل: ما يعني بمنع بيع ذلك إلا إذا بيع مجردا عن قشره لأنه بيع مغيب، وأما مع قشره فيجوز، قيل: ليس في كلامه ما يعنيه، فالمراد من سيدي الجواب الشافي ولكم الأجر.

فأجاب بما نصه:

الحمد لله، أما مسألة استثناء برز الكتاب وشبهه فالمذهب فيها هو ما نص عليه القاضي في كتابيه للعلة التي أبدى، إذ لا خلاف في اعتبارها ولا أذكر له في المذهب مخالفا إلا ما يحمله كلام ابن الحاجب في شقها الثاني، وهو ما إذا كان استثناء المذكور بعد يبسه واستغنائه عن الماء، والتوفيق بين كلام الأئمة مطلوب ما أمكن إليه سبيل، وهو ممكن ههنا، والله المستعان، وذلك بأحد وجهين:

أولهما -وهو أولاهما بالقبول- حمل كلام المؤلف على أن استثناء المذكور بأثر بدو الصلاح في أصله، بحيث يكون البرز مفتقرا إلى الماء، فلهذا حكم بمنع استثنائه للعلة التي ذكر القاضي، ولفظ البعدية في كلام المؤلف وإن كان أعم من ذلك ومن استثنائه بعد يبسه لكنه لا غرابة في حمل أعمه على أخصه لدليل اقتضى ذلك، والدليل ههنا سياقي لأنه كان يتكلم فيما قبل هذا يليه في منع بيع الثمار قبل بدو صلاحها على التبقية، ثم تكلم في بيعها

[7/5]

الحمد لله ناصر الحق ومؤيد أهله، وموفق من شاء لاتباعه بفضله. وصلى الله على سيدنا محمد أكرم أنبيائه وخيرة رسله، وعلى آله وصحبه المتبعين لمنهاج سبله، وعلى الأمناء من علماء هذه الأمة على أداء العلم لأهله وحمله، صلاة نرجو ببركاتها الفوز يوم الحساب من فضيحته وصوله.

[6/6]

أما بعد، فإنه قد وقعت في وقتنا هذا قضية، وهي أن رجلا من أكابر التجار وذوي الأموال الطائلة كان عهد في زمن الوباء وهو بحال صحة وجواز أمر من قبل مدة وفاته بمدة قريبة بثلث جميع ما يخلفه ميراثا عنه على أن تخرج منه وصايا معينة، ويكون باقي الثلث في وجه عينه أيضا، واعترف مع ذلك بأن في ذمته لرجل لم يعين اسمه ولا نسبه ولا بلده ولا حياته ولا موته مائة وخمسين ذهبا، وأنها كانت أمانة بيده ثم علقها بذمته، وزعم أن ربها أمره أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين. والمعترف المذكور ليس ممن يقصد في العادة بتفريق الصدقات على يديه ولا تقرب منزلته من ذلك ببلده، وتضمن عهده اعترافه المذكورين رسم واحد متميز فيه العهد بصيغته وجد بدار المعترف المذكور بعد وفاته، ولم يخلف من الورثة سوى أخوين شقيقين له، وبينه وبين أحدهما عداوة مشتهرة منذ زمان طويل متصلة بوفاته، والعدو منهما حاضر ببلد المتوفى المذكور زمن صحته ومرضه ووفاته، والآخر غائب عن البلد المذكور ببلاد المشرق منذ نحو عامين اثنين متقدمين عن وفاة العاهد المذكور. وهذا حاصل ما تضمنته القضية، وقد اختل فقهاء بلدنا بجاية أكرمهم الله تعالى في حكم العدد المعترف به فيها هل يخرج من رأس المال وإليه ذهب جمهورهم، أو من الثلث وبه جزم الناضر فيه مصرحا بتخطئة مخالفيه وتوهيمهم.

6/7] فأجاب: الحمد لله تعالى دائما. الجواب والله سبحانه الموفق بفضله: أنه لا محاصة في غلات الأحباس المذكورة بين من له مرتب قديم ومرتب محدث او زيادة في مرتب, بل اصحاب المرتبات القديمة مقدمون ومبدؤون عليهم إذا كانت الغلات قدر المرتبات القديمة أو أقل. ولا يبدأ الإمام على المؤذنون عليه, ولا تثبت له الزيادة التي زيدتله من الفضلة عند عدمها, بل هما متساويان في ذلك, لأنهما أجيران دخلا في موجب ذلك مدخلا واحدا, إلا أن يكون في أصل الحبس شرط في تقديم أحدهما على الآخر فيمضي, وإنما يجوز إحداث مرتب أو الزيادة في مرتب قديم من فضلة الأحباس, إذا كانت من أحباس الملوك باتفاق على طريقة بعضهم. أو من أحباس عامة الناس على الإختلاف بشرط اتساع غلاتها, والأمن من الإحتياج إليها في الإستقبال, وقد تقدم منا جواب طويل في هذا الباب منذ أعوام استوفينا فيه فصول المسألة ومبانيها, وهذه العجالة كافية في مصدر هذا السائل المستعجل إن شاء الله تعالى, وقد كان شيوخنا رحمة الله تعالى عليهم مختلفي الحال في باب الفتيا في هذا الباب, فمنهم من كان يمنع الإحداث من فضلات الحبس وشدد في ذلك غاية التشديد؛ منهم والدي وسيدي عيسى بن علال رحمهم الله نعالى ورضي عنهم. ومنهم من كان يفتي بجواز ذلك, ويعلله بوجوه المصالح, منهم سيدنا سعيد العقباني رحمه الله تعالى ورضي عنه, وكل على خير وبصيرة وهدى, نفعنا الله سبحانه وإياهم بعلمهم ونياتهم. وبالله التوفيق بمنه وفضله.

وتقيد بعقب الجواب ما نصه: الحمد لله. أشهد الفقيه المفتي المدرس الأسني الأكمل الصالح الأعز الأفضل أبو محمد عبد الله العبدوسي - أن الجواب الذي اوله الحمد لله دائما وآخره بمنه وفضله هو بخط الفقيه المذكور, تقلده في النازلة إشهادا تاما شهد به عليه بحال كمال الإشهاد من عرفه, في الخامس والعشرين لرجب الفرد المبارك عام خمسة وعشرين وثمانمائة عرفنا الله خيره.

[

6/8]فوق صخرة في بركة. ومن أول عيون الوادي، ويلتقي ماؤها مع ماء عينين نابعتين من أصل الصخرة المذكورة عن يمين المستدير لها، ومع أعين أخرى قريبة من ذلك في موضع محجر صلب بور عن يمين الهابط في الوادي المذكور. ويجتمع في ماء تلك العيون الأربعة المذكورة قدر مسحة ماء ويجري ذلك الماء في بطن الوادي المذكور إلى أن يرفعه سد عن يمين الهابط وسد عن يساره، وهما متقاربان، ويسقي ذلك السدان المذكوران جنات، ويخرج من خلال السدين المذكورين رشوحات في بطن الوادي المذكور، وتجري فيه إلى أن تصل إلى عين بينها وبين مجرى بطن الوادي المذكور قدر باعين. وهذه العين خارجة من أسفل جنان لمطة عند أصل شجرة منه بحيث لا يمكن سقيه منها، وقدر مائها ربع مسحة ماء، وتجتمع تلك الرشوحات المذكورة مع ماء هذا العين، وتجري في بطن الوادي المذكور إلى أن يرفعه سد كرداد الهابط إلى قلعة أزكان لسقي جنات وفدادين وأصول زيتون. وتخرج من خلال سد كرداد المذكور رشوحات في بطن الوادي المذكور ويجري فيه إلى أن يجتمع مع رشوحات يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. ومن ذلك عينان نابعتان أسفل من ذلك الخندق التي (كذا) عن يمين الهابط في الوادي المذكور وبغربي مجشر القلع المذكور، وبين هاتين العينين قدر عشر أبواع، وهما في أرض مخصبة تحت جرف بمشجر القلع المذكور، وقدر ماء العليا من ماء السفلى قدر الربع، وفى مجموع مائهما أكثر من مسحة ماء، ويسقيان هنالك جنانين، وبين العليا والجنان التي تسقيه منهما نحو إحدى وأربعين باعا، وبين السفلى والجنان التي تسقيه منها نحو ستة وثمانين باعا، وبين السفلى وأول البيوت المتصلة بمجشر القلع المذكور نحو سبعة وأربعين باعا.

وهذا هو القول الصحيح الجاري على المشهور. وإن كان قد وقع لسحنون في أجوبته لحبيب، وقاله يوسف بن يحيى، أن الروايغ والدروب التي لا تنفذ، كل ذلك مشترك منافعه بين سكانه، ليس لأحد منهم أن يحدث في ظاهر الزقاق ولا في باطنه حدثا إلا باجتماع أهله ورضاهم، فجعل في هذا القول شركتهم فيه كشركتهم في دار، ليس لأحدهم أن يحدث فيها شيئا ينتفع به دون شركائه إلا برضاهم، وإن كان ذلك لا يضر بهم. قال محمد بن يونس: وهذا خلاف المدونة.

قال وما في المدونة أصوب، وهو قول مالك وابن القاسم وابن وهب وأشهب. وللشركة في الرايغة ما يطول ذكره. وحاصله أن الدار مشترك في زنقتها، فلأحد الشركاء مقال فيما يحدث غيره فيها لنفسه، أحدث به ضرار أم لا. والرايغة المشتركة بينهم في منفعتها، فمتى أحدث أحدهم فيها ما ينتفع به ولا يضر جاره، فلا كلام لجاره. ولهذا الذي ذكره ابن يونس من تصويب ما في المدونة الذي هو مذهب لسحنون ويوسف بن يحيى، قلنا في القول الأول هو الصحيح الجاري على المشهور، وذلك بين واضح، والله تعالى الموفق، لا رب سواه، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب عبدالنور بن محمد العمراني وفقه الله وأصلح حاله انتهى، ومن خطه نقلت .

ويعقبه بخط الفقيه سيدي موسى العبدوسي ما نصه:

الحمد لله وحده، الجواب فوقه صحيح، وبه نقول، وكتب موسى بن محمد بن معطي لطف الله به.

[7/9] [مسألة فيمن جعل دربا على فم الزقاق]

وسئل القاضي ابن عبدالرفيع عمن كانت له دور في سكة غير نافذة، ولرجل معه فيها دار واحدة، فجعل صاحب الدور دربا على فم الزقاق، فدعي صاحب الدار الواحدة إلى القاضي.

فأجاب بقلع الباب وقلع الدروب، فقيل له إنهم قد غيبوا وجوههم. فقال: يهدم ويباع من الأنقاض بقدر أجرة الخدم.

[مسألة في قوم عملوا دربا على حائط رجل]

قال ابن عرفة : ومثل هذا ما جرى للشيخ ابن عبد السلام والأجمي أن الأمير أبا يحيى سلطان افريقية في أواسط القرن الثامن كتب العهد لولده أحمد بقفصة ، فلما توفي الأمير أبو يحيى وكان صاحبه حينئذ عبد الله بن تافرحين ، [6/10] فأحضر قاضي الجماعة أبا عبد الله بن عبد السلام وقاضي الأنكحة أبا محمد الأجمي فأمرهما أن يبايعا عمر ولد الأمير أبي يحيى المذكور ، فاعتذرا وقالا كيف نبايعه ونحن قد شهدنا في بيعة أخيه أحمد والتزمناها . وكان الحاجب المذكور نبيلا فقال للقاضيين حين رأى امتناعهما ادخلا دار السلطان واستقلا بغسله وتكفنه ، فلما دخلا موضع غسله أحضر الحاجب المذكور الناس وأهل الحل والعقد وأمرهم أن يبايعوا عمر فبايعوه ، فلما خرج القاضيان وجدا البيعة قد حصلت ، وكان في انتظار أحمد المكتوب له العهد وهو بقفصة خوف الفتنة فبايع القاضيان حينئذ . وكان الشيخ ابن عرفة رحمه الله يستصوب فطنة الحاجب المذكور ونبله في فعله ذلك لأنه جار على ما ذكره القاضي في الاعتذار عن تأخر علي عن البيعة أشهرا ، ويستصوب أيضا امتناع القاضيين أولا لما ذكراه وبيعتهما ثانيا لانعقاد البيعة بغيرهما .

قال ابن عرفة : واخبرني بكيفية هذه القضية الحاجب المذكور . ابن عات :

سئل مالك عن بيعة عبد الله بن الزبير .

فقال : ما كنت أرضاه ، وابن الزبير أحق عندي من عبد الملك ، وابن عمر أحق من ابن الزبير .

وقد حكى عبد الرحمان بن شريح أنه قال بلغني أن الله تبارك وتعالى يبعث في رأس كل مائة سنة لأهل هذا الدين من يجدد لهم دينهم ، قيل وأسنده بعضهم من طريق أبي هريرة .

[يبعث الله على رأس كل مائة من يجدد أمر هذا الدين [

فأجاب: اتخاذ السبحة المعروفة بخصوصها لعدد التسبيح بالأصابع وفي التسبيح بالحصا والنوى فهل هي أصل السبحة ؟ أو هي في معناها؟ فروى أبو داوود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعقد التسبيح. وفي رواية لأبي داوود بيمينه ، وسكت عنه، وقال الترمذي حسن غريب من حديث الأعمش. وروي أبو داوود والترمذي عن يسرة - بالياء المثناة من تحت - بنت ياسر، وكانت من المهاجرات، رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس واعقدنهن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات ولا تغفلن فتنسين الرحمة. لفظ الترمذي وقال حديث غريب إنما نعرفه من حديث هانئ بن عثمان. ولفظ أبي داوود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهن أن يراعين بالتكبير والتقديس والتهليل وأن يعقدن الأنامل فإنهن [6/11] مسؤولات مستنطقات. وسكت أبوداوود، فهو عنده صالح. وروى الترمذي عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بها فقال: لقد سبحت بهذه ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني. فقال قولي سبحان الله عدد خلقه.

والحكم بما شاء منهما من غير نظر ، يمحض أنه كلامه فيمن هو أهل للنظر . ويحتمل إذ ذاك قوله إذا وجد المشهور ما شهره غيره ، وحينئذ إما أن يكون ذلك المشهر هو المجتهد المستنبط للحكم نفسه فلا إشكال أنه يلزمه تقليده في التشهير ، كما قلده في نفس القول ؛ وإن كان تشهير قول المجتهد لا من المجتهد بل من بعض أصحابه الذي يقلدونه في مذهبه ويشهرون من أقواله التي حفظوها عنه ما يقوى دليله عنه هذا المشهر ، فهل يجب على هذا المتأخر المقلد تقليد هذا الذي سبقه بالنظر والفتش في أقوال الإمام الذي اشترك معه في تقليده في الأحكام؟ أو يكون هذا المتأخر لما كانت له ملكة يقتدر بها على الترجيح في أقوال مقلده صار مساويا لذلك السابق الذي يشهر قولا من الأقوال ، فلا يلزمه تقليد السابق لاحتمال أنه إذا نظر مثل نظره قد يترجح عنده غير ما ترجح عند السابق فلا يصح تقليده؟ إذ القدرة على اليقين تمنع من الاجتهاد ، والقدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد . وهذا قادر على الاجتهاد في الترجيح في أقوال إمامه فلا يقلد غير إمامه في ذلك .

[الاجتهاد والتقليد في الحكم والفتيا]

ومما يحسن وقوعه عنها أيضا ما ذكره القرافي في كتاب الأحكام ، في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ، ونصه : السؤال الثاني والعشرون ، هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده كما يجب على المجتهد أن لا يفتي إلا بالراجح عنده ؟ أوله أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحا عنده ؟ جوابه أن الحاكم إذا كان مجتهدا فلا يجوز أن يحكم ، ولا أن يفتي إلا بالراجح عنده ، وإن كان مقلدا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن لا يحكم به وإن لم يكن راجحا عنده مقلدا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده في الفتيا .

المعيار المعرب والجامع المغرب · الجزء ١ · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المعيار المعرب والجامع المغربج ١ · ص ٢