( الباب الثامن والأربعون : في الحسبة على الوعاظ ) يجب على المحتسب أن ينظر في أمر الوعاظ ، ولا يمكن أحدا يتصدى لهذا الفن إلا من اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة وأن يكون عالما بالعلوم الشرعية وعلم الأدب حافظا الكتاب العزيز ولأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار الصالحين وحكايات المتقدمين ، ويمتحن بمسائل يسأل عنها من هذه الفنون ، فإن أجاب وإلا منع كما اختبر الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحسن البصري رحمه الله تعالى وهو يتكلم على الناس فقال له : ما عماد الدين ؟ قال : الورع ، قال : فما آفته ؟ قال : الطمع ، قال : تكلم الآن إن شئت .
ومن كانت هذه الشروط فيه مكن من الجلوس على المنبر في الجوامع والمساجد في أي بقعة أحب ، ومن لا يدري ذلك وكان جاهلا بذلك منع من الكلام ، فإن لم يمتنع ودام على كلامه عزر ، ومن عرف شيئا يسيرا من كلام الوعاظ وحفظ من الأحاديث وأخبار الصالحين قبل ذلك وقصد الكلام يسترزق به ويستعين على قوته فيبيح له بشرط ألا يصعد على منبر بل يقف على قدميه ، فإن رتبة صعود المنبر رتبة شريفة لا يليق أن يصعد عليه إلا من اشتهر بما وصفناه وكفى به علوا سموا ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صعد عليه والخلفاء الراشدون من بعده والأئمة وكان العصر الأول لا يصعد فيهم المنبر ألا أحد رجلين خطيب في جامع يوم الجمعة أو يوم العيد أو رجل عظيم الشأن يصعد المنبر يعظ الناس ويذكرهم الآخرة وينذرهم