وهذا حق بلا ريب، وبه يصان المجتمع عن كثير من الشرور والآفات، فإن كثيرا من أمور الناس والمجتمعات يرجع إلى تعطيل إقامة حدود الله وحقوقه بسبب الجاه أو ما يبذل من مال، أو الشفاعة التي لا تحل يتقدم بها بعض الناس.
القسم الثاني وأحكامه
وبعد أن ذكر ابن تيمية عقوبة المحاربين وقطاع الطريق، وحد السرقة والزنا وشرب الخمر والقذف، وغير ذلك من المعاصي التي ليس فيها حد مقدر،
20
شرع في الكلام على هذا القسم الثاني من الحدود والحقوق وهي التي تكون لإنسان معين.
وقد تناول في هذا القسم أحكام الاعتداء على النفوس بالقتل، وعلى الأعضاء والجسم بالجراح، وعلى الأعراض وغير هذا كله مما فيه تعد على شخص بعينه.
21
ونحن لا نرى ضرورة للتعرض لذلك كله، فإن الأمر هنا أكثر شبها بالفقه العام منه بأحكام السياسة الشرعية بصفة خاصة، ولكن نرى من الخير أن نشير إلى أنه تناول حد القذف في كلا القسمين من الحدود والحقوق ؛ وذلك لأنه حق الله وحق الآدمي معا.
وهو يقول بصدده: «وهذا الحد يستحقه المقذوف فلا يستوفى إلا بطلبه باتفاق الفقهاء، فإن عفا عنه سقط عند الجمهور لأن المغلب فيه حق الآدمي كالقصاص والأموال، وقيل لا يسقط تغليبا لحق الله؛ لعدم المماثلة (أي بينه وبين القصاص والأموال)، كسائر الحدود»، إلى آخر ما قال.
22 •••
هذا، وإذا كان من الواجب إقامة دولة واتخاذ أمير أعلى لها كما عرفنا فيما تقدم، فإن للحقوق التي من هذا القسم الثاني والأخير حق المشاورة، فإن ولي الأمر لا يستغني عنها، وأمر الله نبيه بها بقوله تعالى:
وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله .
وروى أبو هريرة رضي الله عنه - كما يذكر ابن تيمية رحمه الله - أنه «لم يكن أحد أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله
صلى الله عليه وسلم .»
وإذا استشار ولي الأمر أهل الرأي في أمر من الأمور، فإن بين له بعضهم ما يجب اتباعه، من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع المسلمين فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد في خلاف ذلك، وإن كان عظيما في الدين والدنيا، قال الله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .
وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة لله ورسوله، واتباع كتاب الله،
23
ففي ذلك خير الدنيا والآخرة معا للأفراد والجماعات والأمة كلها.
| خاتمة البحث
والآن، بعد هذا المطاف الشاق الطويل، والذي كانت نتيجته هذا البحث الذي يسعدنا اليوم التقدم به لطالبي الحق كل الحق لذاته، ومريدي القدوة الطيبة من إمام تجرد للحق والعلم والجهاد في سبيل الله، نشير في هذه الخاتمة إلى هذه الأمور: (أ)
إن رأي الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في علوم المنطق والكلام والفلسفة معروف واضح، فهو لا يرضاها ولا يرضى عنها؛ ولذلك لم نر ضرورة أن نطيل البحث بالكلام عنها في باب أو فصل خاص.
وبخاصة وقد تعرضنا لها في مواضع كثيرة في أثناء البحث، ولا سيما عند بحثنا الحياة العقلية والعلمية في عصره،
1
وكذلك عند الكلام على خصومه ومحنته ووفاته.
2 (ب)
ثبت لنا أن ابن تيمية هو إمام من أئمة المسلمين بلا ريب، فقد كان صاحب اللواء في كل علم من العلوم الإسلامية التي برع فيها ونبغ، وكان إليه المرجع في المشكلات التي رفعت إليه وأفتى فيها حتى بلغت فتاويه المجلدات العديدة الضخمة، والتي لا يزال الفقهاء في شديد الحاجة إليها والإفادة منها. (ج)
ومع ذلك كله، فقد كان له خصوم كثر رموه بما أعاذه الله من الضلال،
كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ! ولكنه داء الحسد والحقد بين العلماء المتنافسين المتعاصرين.
على أن الشيخ الإمام وإن ناله كثير من الأذى في ذات الله والحق، فقد كان راضيا كل الرضا بما حصل له من هؤلاء الخصوم والأعداء، ولعله كان يتمثل في هذه الناحية بقول الشاعر العربي المؤمن الذي عاش في حياة الرسول، وهو خبيب بن عدي الذي قال يوم الربيع: