تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقسامها

بعد أن انتهى الإمام ابن تيمية من الأمانات التي أمر الله تعالى بأدائها بقوله:

إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، شرع في بيان الحدود والحقوق، التي أمر الله بالحكم بالعدل فيها بقوله في الآية نفسها: ... وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ... ، هذه الآية تسمى آية الأمراء كما يذكر ابن تيمية نفسه وغيره من المفسرين.

وهو يبدأ هذا القسم الأخير من رسالته في «السياسة الشرعية»، بقوله: «الحكم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان: فالقسم الأول الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين أو نوع منهم، ولكنهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله.»

17

وأما القسم الثاني، فسيجيء الكلام عليه، وهو كما يقول فيما بعد: الحدود والحقوق التي لآدمي معين.

القسم الأول وأحكامه

ومن أمثلة هذا القسم حد قطاع الطريق والسراق والزناة ونحوهم، والحكم في الأموال العامة أو السلطانية كما يقول، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

لا بد للناس من إمارة برة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود، وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء.

ومن أحكام هذا النوع من الحدود والحقوق، أنه - كما يذكر الشيخ رحمه الله - يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته من غير دعوى أحد به، وكذلك تقام الشهادة فيه من غير دعوى أحد به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله على قولين ... وقد اشترط بعضهم المطالبة بالمال لئلا يكون للسارق فيه شبهة.

18

وكذلك يجب إقامة هذا النوع من الحدود على الناس كافة، بلا فرق بين شريف ووضيع، أو قوي وضعيف، ولا تحل الشفاعة فيه، ولا يجوز تعطيله بشفاعة أو غيرها، فإن خطره كبير على المجتمع كله.

ومن عطل إقامته لذلك ونحوه، وهو قادر على إقامته، كان حريا بلعنة الله وملائكته والناس جميعا، وكان ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلا، ولا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، كما يذكر ابن تيمية.

جاء في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها، أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، فلما ذهب إليه قال له الرسول

صلى الله عليه وسلم : «يا أسامة، أتشفع في حد من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.»

على أنه لا بأس في الشفاعة قبل أن يصل الأمر إلى السلطان أو من له القضاء، وإلا كانت حراما وإثما كبيرا، وفي هذا روى الإمام مالك في كتابه «الموطأ» أن جماعة أمسكوا لصا ليرفعوه إلى عثمان رضي الله عنه، فتلقاهم الزبير فشفع فيه فقالوا: إذا رفع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: إذا بلغت الحدود السلطان، فلعن الله الشافع والمشفع؛ يعني الذي يقبل الشفاعة.

19

ومن أحكام هذا القسم أيضا، أنه لا يقبل تنازل المجني عليه إذا وصل إلى ولي الأمر أو القاضي، فيجب إقامة الحد رغم تنازله؛ ولهذا يذكر ابن تيمية بعد ذلك أن صفوان بن أمية كان نائما على رداء له في مسجد الرسول

صلى الله عليه وسلم ، فجاء لص فسرقه، فأخذه به النبي فأمر بقطع يده، فقال صفوان: «أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أهبه له»، فقال الرسول: «فهلا قبل أن تأتيني به!» ثم قطع يده.

يعني

صلى الله عليه وسلم - كما يذكر ابن تيمية - أنك لو عفوت عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رفع إلي فلا يجوز تعطيل الحد لا بعفو ولا بشفاعة ولا بهبة ولا بغير ذلك.

ابن تيمية · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٨٨