تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويجوز أن يكون الجعل فيها إذا حصل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم، مثل أن يقول أمير الغزو: من دل على حصن فله ثلث ما فيه، ويقول أمير السرية التي يسريها لك خمس ما تغنمين أو ربعه ...

ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي

صلى الله عليه وسلم

الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم حتى برئ فأخذوا القطيع، فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة.»

وأما النوع الثالث: «فهو ما لا يقصد فيه العمل، بل المقصود المال، وهو المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل، كما للجاعل والمستأجر قصد في عمل العامل؛ ولهذا لو عمل ما عمل ولم يربح شيئا لم يكن له شيء ...

بل هذه (أي عقد المضاربة) مشاركة، هذا ينفع بدنه (أي بعمله) وهذا ينفع ماله، وما قسم الله من الربح كان بينهما على الإشاعة؛ ولهذا لا يجوز أن يخص أحدهما بربح مقدر؛ لأن هذا يخرجهما عن القول الواجب في الشركة ...»

33

هكذا يرى شيخ الإسلام ابن تيمية بحق، وأما الذين ذهبوا إلى أن هذه العقود الثلاثة على خلاف القياس فقد ظنوا أنها من جنس الإجارة فيشترط فيها مثلها العلم بالعوضين، فلما رأوا أن العمل في هذه العقود غير معلوم وكذلك الربح قالوا بمخالفتها للقياس.

وهذا من غلطهم كما يقول: فإن هذه العقود من جنس المشاركات لا من جنس المعاوضات الخاصة التي يشترط فيها العلم بالعوضين، والمشاركات جنس غير جنس المعاوضة وإن قيل إن فيها شوب المعاوضة.

34

وبعد أن بحث ابن تيمية هذه العقود الخمسة وعقودا كثيرة أخرى، وبين أنها جميعها على وفق القياس لا بخلافه كما زعم جمهور الفقهاء، قال ما ينبغي أن ننقله بنصه: «وبالجملة، فما عرفت حديثا صحيحا لا يمكن تخريجه على الأصول الثابتة، وقد تدبرت ما أمكنني من أدلة الشرع فما رأيت قياسا صحيحا يخالف حديثا صحيحا، كما أن المعقول الصريح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسا يخالف أثرا فلا بد من ضعف أحدهما.

لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثير منه على أفاضل العلماء، فضلا عمن هم دونهم، فإن إدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها، ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة، من أشرف العلوم فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصهم.

فلهذا صار قياس كثير من العلماء يرد مخالفا للنصوص لخفاء القياس الصحيح عليهم، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام.»

35

مسألة المصراة

ولعل مصداق هذا التأكيد، فضلا عما ذهب إليه في تلك العقود، رأيه في «مسألة المصراة» وما جاء به حديث الرسول في ضمان لبنها الذي حلبه المشتري، فقد رأى الفقهاء قبله في أن جعل هذا الضمان صاعا من تمر هو حكم مخالف للقياس للوجوه التي ذكرنا عنهم من قبل.

36

إن الشيخ، رضي الله عنه وأرضاه، بعد أن بين هذه الوجوه أخذ في مناقشتها، وانتهى بأنه ليس في الحكم الذي جاء به حديث الرسول

صلى الله عليه وسلم

شيء يخالف القياس، بل هو على وفقه تماما، وذلك إذ يقول: «أما قولهم: «رد بلا عيب ولا فوات صفة» فليس في الأصول ما يوجب انحصار الرد في هذين الشيئين، بل التدليس نوع ثبت به الرد وهو من جنس الخلف في الصفة، فإن المبيع تارة تظهر صفاته بالقول وتارة بالفعل، فإذا ظهر أنه على صفة وكان بخلافها فهو تدليس ...

وأما قولهم: «الخراج بالضمان» (أي أن الأمر برد صاع من تمر مخالف للقياس الذي يؤخذ من الأثر الذي يقول: الخراج بالضمان)، فإن حديث المصراة أصح منه باتفاق أهل العلم مع أنه لا منافاة بينهما، فإن الخراج ما يحدث في ملك المشتري ...

وهنا كان اللبن موجودا في الضرع فصار جزءا من المبيع، ولم يجعل الصاع عوضا عما حدث بعد العقد، بل عوضا عن اللبن الموجود في الضرع وقت العقد.

ابن تيمية · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ابن تيميةص ٥٨