بل قد كان ذلك - كما يذكر ابن القيم - بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومن جعل هذا إجماعا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك، وأقل درجاته أن يكون قول صحابي بل قول الخليفة الراشد ولم ينكره منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء.
فالصواب، إذن، هو ما فعله سيدنا عمر الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، وبصحة هذا يتضح الفرق الآخر بين البيع والإجارة، «إذ الفرق - كما يقول شيخ الإسلام - بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة، ألا ترى أن النبي
صلى الله عليه وسلم
نهى عن بيع الحب حتى يشتد، ثم إذا استأجر أرضا ليزرعها جاز هذا مع أن مقصوده الحب؟ لكن مقصوده ذلك بعمله لا بعمل البائع.»
بقي ما يقوله النافون لجريان الإجارة على وفق القياس، وهو أن موجب العقد تسليم المعقود عليه بعد إتمامه، وهذا مستحيل في الإجارة بالنسبة لموضوعها الذي يحدث آنا بعد آن في الزمان.
وهنا يذكر ابن تيمية أن هذا غير صحيح إن سلمنا أن عقد الإجارة هو عقد بيع، فإن موجب العقد هو ما أوجبه الشارع أو المتعاقدان على أنفسهما،
30
وكلاهما منتف، فلا الشارع أوجب أن يكون كل مبيع مستحق التسليم عقب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك.
بل تارة يكون العقد على هذا الوجه؛ أي يكون تسليم الثمن والمثمن عقبه، وتارة يشترطان التأخير في أحدهما، أو في محل العقد بصفة خاصة لما في ذلك من المصلحة للبائع أو المشتري، وهذا كما كان لسيدنا جابر حين باع بعيره للرسول واستثنى ظهره إلى المدينة.
وإذن، لا دلالة في الشريعة على أن من موجبات العقد التسليم عقبه كما زعموا، وليس هذا أصلا من أصولها يكون الخروج عنه خروجا عن القياس، بل التسليم والقبض في الأعيان والمنافع على السواء كالقبض في الدين، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه حسب الإمكان، وتارة يكون موجبه تأخير التسليم لمصلحة من المصالح المشروعة.
وأخيرا، نذكر أنه إذا تركنا عقد الإجارة الذي لا يمكن فيه تسليم المعقود عليه عقب العقد، فإنه في عقد البيع إذا كان في تأخير تسليم المبيع ضرر يسير بالمشتري ومصلحة راجحة للبائع، نرى أنه من أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة يجب أرجحهما كما هو معروف، كما يجب دفع الضرر الأكبر باحتمال الضرر الأدنى.
وهكذا وصل الإمام ابن تيمية إلى دفع ما يحتج به الفقهاء الذين ذهبوا إلى أن عقد الإجارة يجوز استحسانا لا قياسا، وإلى التدليل بحق على أنه موافق للقياس ولأصول الشريعة.
المضاربة والمزارعة:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن هذين العقدين، وكذلك أيضا عقد المساقاة
31
تجوز شرعا على خلاف القياس؛ وذلك لأنها من جنس عقد الإجارة، ومن ثم يجب أن يكون الربح معلوما قدره حين العقد، ولكن الأمر في هذه العقود على غير هذا النحو.
وذلك لأن أجر العامل في كل منها لم يعرف قدره عند التعاقد، بل يكتفى فيها بأنه حصة شائعة في الربح العام
32
كنصفه أو ثلته على حسب ما يتفق المتعاقدان عليه؛ ولهذا لا يجوز كل من هذه العقود قياسا، بل استحسانا.
ولكن شيخ الإسلام لا يذهب مذهب أولئك الفقهاء؛ أي في إرجاع هذه العقود إلى الجنس الذي يدخل فيه عقد الإجارة وإلى ما استتبعه عندهم من جوازها استحسانا لا قياسا للسبب الذي ذكروه، بل يرى أنها من جنس عقد الشركة فتكون قياسية.
وإنه ليبني ما يراه على أصل هام يجب التنبه إليه، فيه تتميز العقود الواردة على عمل العامل من عقد الإجارة، وهو يقول في هذا ما ينبغي أن نأتي به ولو بشيء من الاختصار؛ إذ يذكر أن العمل ثلاثة أنواع:
أحدها: «أن يكون العمل مقصودا معلوما مقدورا على تسليمه، فهذا عقد الإجارة اللازمة؛ أي العقد اللازم.»
والثاني: «أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر فهذه الجعالة، وهي عقد جائز ليس بلازم. فإذا قال: من رد عبدي الآبق فله مائة، فقد يقدر على رده وقد لا يقدر، وقد يرده من مكان قريب أو بعيد ... فمن عمل هذا العمل استحق الجعل وإلا فلا.